“قوة سوق الظل” تُربك رقابة أوروبا على عمالقة التكنولوجيا

“قوة سوق الظل” تُربك رقابة أوروبا على عمالقة التكنولوجيا

“جوجل” و”مايكروسوفت” و”أمازون” انتقلت إلى استثمارات أكثر هدوءا عبر سلسلة توريد الـ”AI”

يعيب النهج الذي تستعين به أوروبا، في التعامل مع تنظيم عمليات الاندماج والاستحواذ، نقطة عمياء، إذ تعمل شركات التكنولوجيا الكبرى على تجميع ما نسميه “قوة سوق الظل” من خلال استراتيجيات قد تكون مناهضة للمنافسة وتتجاوز قواعد الرقابة والتحقيق والتدخل الحالية.

في عموم الأمر، تؤدي المعاملات التي تنطوي على تغيير في السيطرة إلى إجراء مراجعة رسمية للاندماج.

ومع ذلك، لم يُستوف هذا الشرط إلا في حوالي 600 صفقة أبرمتها شركات “جوجل” و”أبل” و”فيسبوك” و”أمازون” و”مايكروسوفت” منذ عام 2014.

في الوقت ذاته، استحوذت شركات التكنولوجيا العملاقة ذاتها على حصص أقلية في أكثر من 7000 شركة، الأمر الذي منحها شكلا ممتدا من أشكال القوة السوقية، وإن كان لا يحظى بالتقدير الكافي.

مع تركيز الهيئات التنظيمية بشكل ضيق على عمليات الاندماج والمشاريع المشتركة، كانت الصناعة تمارس نفوذها على نحو متزايد من خلال قنوات حوكمة الشركات، ووضع المعايير التكنولوجية، وتخصيص رأس المال الاستراتيجي، وغير ذلك من العلاقات التي تحدد هيئة السوق والتي تقع خارج نطاق التدقيق من جانب السلطات.

لنتأمل هنا “الاستثمار الضخم” من جانب شركة “إنفيديا” في شركة الذكاء الاصطناعي الناشئة “ثينكينج ماشينز لاب”، وحصة شركة “ميتا بلاتفورمز” البالغة 10% في شركة “أدفانسد مايكرو ديفايزس” المصنعة للرقائق الإلكترونية؛ أو الممارسة المتزايدة لعمليات “الاستحواذ على التوظيف”، والتي بموجبها تستحوذ شركة أكبر على “كل شيء ما عدا الشركة” من خلال توظيف الموظفين الرئيسيين.

في كل من هذه الحالات، تعمل الشركة المهيمنة على توسيع قوتها السوقية من خلال طمس الحدود الفاصلة بين المالك، والمستثمر، والشريك، والمورد الحصري، ومزود البنية الأساسية، بحسب موقع “بروجكت سنديكيت”.

وتتصدر شركة “جوجل” هذه المجموعة.

تُظهِر دراسة حديثة بعنوان “إمبراطورية جوجل الخفية” أن شركة التكنولوجيا العملاقة هذه استثمرت في أكثر من 6000 شركة في مختلف أنحاء العالم منذ عام 2014، بينما استحوذت على 166 شركة فقط.

وبين هذه المعاملات، خضعت 6 فقط لمراجعة رسمية من قِبَل المفوضية الأوروبية.

الواقع أن جزءا كبيرا من أنشطة جوجل الاستثمارية يتدفق عبر شركات تابعة مثل “جوجل للشركات الناشئة”، التي تقدم غالبا مِنَحا أو مساعدات عينية، مثل أرصدة سحابية مجانية وورش عمل إرشادية.

وتُصنف شركة “جوجل فينتشرز” عادة ضمن أكبر ممولي رأس المال الاستثماري على مستوى العالم، إلى جانب اللاعبين التقليديين مثل “واي كومبيناتور و”سيكويا كابيتال”.

من خلال هذه الشركات التابعة وغيرها، تجتذب شركة “جوجل”، الشركات الناشئة إلى نظامها البيئي التكنولوجي الخاص، فيخلق هذا علاقات تبعية.

وستواجه الشركات التي بُنيت على “جوجل كلاود” وتكاملت مع واجهات برمجة تطبيقات “جوجل”، تكاليف تحويل كبيرة إذا حاولت الانتقال إلى مزود جديد.
ضع في الحسبان حجم ونطاق قوة سوق الظل التي تتمتع بها شركات التكنولوجيا الكبرى في مختلف قطاعات الاقتصاد.

وسعت شركة “جوجل”، نطاق نفوذها ليشمل مجموعة واسعة من القطاعات، من البنية الأساسية السحابية والرقمية إلى الأمن السيبراني، والرعاية الصحية وعلوم الحياة، والطاقة والأنظمة البيئية، والتصنيع المتقدم، والإعلام، والنقل.
وحَـدَّدَ باحثون اقتصاديون آخرون أنماطا مماثلة من الاعتماد المتبادل تتجاوز حصص السوق الرسمية.

وقد وثقت سيسيليا ريكاب، من كلية لندن الجامعية، كيف تنشر الشركات المهيمنة شراكات البيانات والتكنولوجيا مع الشركات الأصغر حجما لتعزيز “الاحتكارات الفكرية”.

وبتنظيم البحث والتطوير والتسويق حولها، يصبح بوسعها التأثير على المسار الذي يسلكه الإبداع والاستحواذ على حصة غير متناسبة من المكاسب من خلال “السيطرة دون ملكية”.

نظرا لمراكزها المهيمنة بالفعل، تتمتع شركات التكنولوجيا الكبرى الأمريكية برؤية شاملة أشبه بما يسمح به برج المراقبة الدائري لمعظم التكنولوجيات الناشئة، ونماذج الأعمال، وتطورات الصناعة، ويسمح لها هذا بالبقاء متقدمة على التحولات في الأسواق المجاورة أو الأسواق التي قد تتسبب في إحداث ارتباكات.

وبتقديم المشورة للشركات في المراحل المبكرة عن طريق الإرشاد، على سبيل المثال، يصبح بوسع شركة “جوجل” التأثير على الاختيارات التي يتخذها هؤلاء المنافسون المحتملون في المستقبل، وتوجيههم نحو تصميمات للمنتجات تتوافق مع عروض “جوجل” واستراتيجياتها القائمة.
وكما يشير باحثا الذكاء الاصطناعي ناثان كيم وديفيد جراي ويدر، فإن الموجة الأخيرة من الاستثمارات الضخمة في البنية الأساسية السحابية تعكس “جهدا استراتيجيا ضخما لتوجيه النظام البيئي التكنولوجي نحو مصالح الشركات الكبرى في مجال الخدمات السحابية”.

وقد انتقلت شركات السحابة “الثلاث الكبرى”، وهي “جوجل” و”مايكروسوفت” و”أمازون”، من عمليات الاستحواذ التي تتصدر عناوين الأخبار الرئيسية إلى استثمارات أكثر هدوءا عبر سلسلة توريد الذكاء الاصطناعي.

بحلول الربع الثالث من عام 2025، كانت هذه الشركات تمتلك 63% من السوق العالمية ــ وهي حصة تبلغ قيمتها نحو 107 مليارات دولار من عائدات الخدمات السحابية في ذلك الربع وحده ــ بالإضافة إلى الحفاظ على اتفاقيات شراكة مع منافسين.

ينبغي لاتجاه شركات التكنولوجيا الكبرى إلى احتضان حصص في سوق الظل وغير ذلك من آليات النفوذ، أن يثير التساؤلات من جانب الهيئات التنظيمية المعنية بمكافحة الاحتكار.

تحتاج سلطات المنافسة إلى مزيد من الوضوح بشأن طبيعة التبادل بين الشركات العملاقة والشركات الأصغر حجما ــ سواء كان ذلك التبادل متمثلا في الوصول إلى البيانات، أو حقوق الحوكمة الخاصة، أو غير ذلك من الأصول الاستراتيجية.

عندها فقط يصبح بوسع الهيئات التنظيمية والباحثين المستقلين تحليل كيفية ومدى ارتباط شبكات المستثمرين المتواصلة النمو هذه بشركات التكنولوجيا الكبرى المسيطرة.

على سبيل المثال، إذا تدفقت بيانات السلوك والأداء عائدة من شركة ناشئة إلى الجهة الداعمة لها من شركات التكنولوجيا الكبرى، فقد يؤدي هذا إلى ترسيخ منصة مهيمنة بالفعل.

في ظل قدر أعظم من الشفافية، يتسنى للهيئات التنظيمية تحديد حصص سوق الظل بدقة باستخدام بيانات الشركات الداخلية، بما يسمح لها بتحديد مجال التأثير الأعرض لكل شركة.

تتمثل الفكرة في الجمع بين حصة السوق التي تسيطر عليها أي شركة من خلال شركاتها التابعة بالاستعانة بمقياس إضافي: حصص الشركات في السوق التي يمكنها التأثير عليها من خلال استثمارات الأقلية القائمة أو الدعم العيني.

هناك بالفعل سوابق قانونية للاعتراف باستثمارات الأقلية كمصادر محتملة للتأثير على عملية صنع القرار في الشركات.

بموجب القانون الأمريكي الحالي، تفرض لجنة الأوراق المالية والبورصات الإفصاح عندما يشتري مستثمر أكثر من 5% من شركة عامة، نظرا لإمكانية “تغيير أو التأثير على سيطرة” الجهة المصدرة.

ويمكن توسيع نطاق هذا الإفصاح ليشمل الشركات الخاصة من خلال فرض التزامات الإفصاح على المستثمرين المدرجين أنفسهم.

وبشكل خاص، من الممكن إلزام شركات التكنولوجيا الكبرى المدرجة في البورصة بالإفصاح عن أي استثمار يتجاوز 5% من رأسمال الشركات الخاصة أو العامة.
قد يكشف فحص حصص سوق الظل أيضا عن اتجاهات أو ممارسات إضافية تستوجب الاهتمام.

في حين وصفت التغطية الإعلامية شراء شركة “فيتبيت” من جانب شركة “جوجل” في عام 2021 بأنه دخولها إلى مجال الرعاية الصحية وصناعة الأجهزة القابلة للارتداء، فإن الحقيقة هي أنها كانت بالفعل بدأت تزيد استثماراتها في تكنولوجيات الرعاية الصحية وعلوم الحياة.

على نحو مماثل، بحلول الوقت الذي أعلنت فيه “جوجل” عن استحواذها على شركة الأمن السيبراني “ويز” Wiz (مقابل 32 مليار دولار) العام الماضي، كانت استثماراتها في هذا القطاع ارتفعت بالفعل.

ومع ذلك، وافقت هيئة المنافسة في الاتحاد الأوروبي على الصفقة دون شروط في فبراير 2026.

وإلى أن تضع الهيئات التنظيمية في الحسبان كامل نطاق وحجم سيطرة شركات التكنولوجيا الكبرى على الأسواق، ستظل قوة وادي السيليكون قائمة دون منازع ومستترة في الظلال إلى حد كبير.

#قوة #سوق #الظل #تربك #رقابة #أوروبا #على #عمالقة #التكنولوجيا
➖➖➖➖➖➖➖➖➖➖
📡 المصدر : #جريدة_البورصة
➖➖➖➖➖➖➖➖➖➖

Comments

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *