هل انتهى عصر الطيران الرخيص؟

هل انتهى عصر الطيران الرخيص؟

%60 من إيرادات “دلتا إيرلاينز” توفرها المقصورات الممتازة وبرامج الولاء والشحن

لم يعد اختفاء “سبيريت إيرلاينز” من السماء الأمريكية مجرد خبر عن شركة تعثرت، بل تحول إلى علامة على تبدل أوسع في سوق السفر الجوي، خصوصاً مع دخول موسم الصيف المزدحم، حيث يبحث المسافرون عادة عن أرخص تذكرة ممكنة.

الخيارات الاقتصادية التي اعتادها ملايين الأمريكيين أصبحت أقل، وقد لا يكون ذلك وضعاً مؤقتاً، بل بداية مرحلة جديدة تصبح فيها الرحلات منخفضة التكلفة أقل حضوراً وأكثر صعوبة في الاستمرار.

لسنوات طويلة، حاولت شركات الطيران بناء برامج ولاء وحوافز تجعل العميل متمسكاً بها، لكن هذه الجهود ظلت تصطدم بحقيقة بسيطة: السعر هو العامل الحاسم عند شراء التذكرة.

فقد كان المسافر الأمريكي يصوت بمحفظته، كما قال كايل بوتر، محرر موقع “ثريفتي ترافلر”، موضحاً أن التعطش الدائم للأسعار الرخيصة هو ما صنع شركات مثل “سبيريت إيرلاينز” و”فرونتير إيرلاينز” وغيرها.

غير أن انهيار “سبيريت إيرلاينز” قد يشير، في رأيه، إلى نهاية عصر شركات الطيران منخفضة التكلفة وفائقة الانخفاض، وربما عودة شكل من السفر الجوي لا يناسب المسافر العادي الباحث عن أقل سعر.

نتائج الشركات الكبرى تعزز هذا الاتجاه.

فقد سجلت “دلتا إيرلاينز” إيرادات سنوية قياسية بلغت 58.3 مليار دولار في 2025، لكنها باعت تذاكر اقتصادية بقيمة تقل 1.1 مليار دولار عن العام السابق.

وأوضحت شبكة “سي إن بي سي” الإخبارية أن الفجوة عوضتها التذاكر الممتازة والأنشطة الأعلى ربحية، حتى أصبحت 60% من إيرادات الشركة تأتي من المقصورات الممتازة وبرامج الولاء والشحن، ما يعني أن السوق لم يعد يتحرك فقط حول عدد الركاب، بل حول نوعية الراكب وقدرته على الدفع.

الرئيس التنفيذي لـ”دلتا إيرلاينز” إد باستيان وصف المشهد بانقسام واضح في الطلب، إذ يزداد إنفاق المسافرين القادرين على شراء مقاعد أمامية وخدمات أفضل، بينما يعاني الطرف الأقل دخلاً من ارتفاع الأسعار.

وأكد أن الأسعار تقودها قوة الطلب، وأن أسرع قطاعات الطلب نمواً هو القطاع الممتاز، مضيفاً أن قدرة الشركة على زيادة السعة محدودة، وأن عملاءها مستعدون لدفع ما يلزم للجلوس في المقدمة.

الصورة نفسها تظهر لدى “يونايتد إيرلاينز”، التي حققت أرباحاً صافية معدلة قدرها 3.5 مليار دولار في 2025، بزيادة 6%، وقفزت إيرادات المقاعد الممتازة 11% خلال العام.

ورغم أن الحرب في الشرق الأوسط أربكت توقعات الأرباح القياسية، فإن الشركة قالت إن الطلب بقي قوياً بفضل عملاء أقل حساسية تجاه الأسعار.

في المقابل، تبدو شركات الطيران الرخيصة عالقة بين كلفة مرتفعة وقدرة محدودة على رفع الأسعار.

بحسب بوتر، لم تعد أسعار وقود الطائرات ولا أجور الطيارين تسمح بتقديم تذاكر شديدة الانخفاض بسهولة.

فالطيران يحتاج إلى حجم كبير كي ينافس، لكن الوصول إلى هذا الحجم يتطلب القدرة على المنافسة أساساً، وهي معادلة مغلقة أمام الشركات الصغيرة.

وقد زادت أزمة الوقود في 2026 من الضغط، إذ أنفقت شركات الطيران الأمريكية في مارس 56.4% أكثر على وقود الطائرات مقارنة بفبراير، ليصل إجمالي الإنفاق إلى 5.06 مليار دولار، مقابل 3.23 مليار دولار، وبزيادة 30% عن مارس 2025.

في الوقت نفسه، أضاف مضيق هرمز طبقة جديدة من عدم اليقين. فأسعار وقود الطائرات يمكن أن ترتفع أو تهبط بسرعة تبعاً لتطورات المضيق.

كذلك، دفع الاتفاق المبدئي بين الولايات المتحدة وإيران لإعادة فتحه الأسعار للانخفاض هذا الأسبوع، لكنها كانت قد ألحقت بالفعل أضراراً بأرباح شركات كثيرة، خصوصاً منخفضة التكلفة، قبل أن يعلن مسؤولون إيرانيون إغلاقه مرة أخرى. لذلك تبدو الشركات الأصغر الأكثر تعرضاً لأي صدمة مفاجئة في الطاقة أو الملاحة.

في المقابل، استفادت الشركات الثلاث الكبرى، “أمريكان إيرلاينز” و”دلتا إيرلاينز” و”يونايتد إيرلاينز”، من الحجم الهائل وبرامج الولاء وبطاقات الائتمان المربحة لإبعاد المنافسين الأصغر.

أما شركات الطيران منخفضة التكلفة الباقية، فتضطر للبحث عن مطارات وخطوط لا تشكل أولوية للشركات الكبرى.

ويمكن للمسافر أن يجد سعراً أرخص على رحلات إلى مدن أصغر مثل بويزي أو ترافيرس سيتي، لكن هذه الفرص تظل محدودة، كما أن وصف الرحلة بأنها رخيصة أصبح نسبياً.

تحاول بعض الشركات تكبير حجمها. فقد أكملت “أليجانت” استحواذها على “صن كانتري” في مايو، في صفقة وصفها رئيسها التنفيذي بأنها تهدف إلى بناء شركة أكثر تميزاً وصلابة.

مع ذلك يرى بوتر أن النمو له سقف واضح. فشركات مثل “أليجانت” و”بريز إيروايز” و”أفيلو” وجدت مساحة في الربط بين مدن أصغر من الدرجة الثانية والثالثة، لكن أي محاولة للتحول إلى لاعب وطني ستدفع الشركات الكبرى إلى الرد بقوة.

منذ انهيار “سبيريت إيرلاينز”، بدأت الشركات إعادة ترتيب خرائطها.

“ساوث ويست إيرلاينز”، التي اشتهرت طويلاً بنموذج المقاعد غير المخصصة قبل أن تنهيه مطلع العام، انسحبت من مطار أوهير الدولي وركزت رحلاتها في ميدواي.

أما “جيت بلو”، التي تقدم نفسها كشركة منخفضة التكلفة بطابع أعلى جودة، فستوقف رحلاتها إلى مانشستر في نيوهامبشير في 7 يوليو، مع تعزيز وجودها في فورت لودرديل وتقليص رحلاتها في لاغوارديا ونيوارك.

يرى سكوت شيفر، رئيس قسم الاقتصاد في كلية ديفيد إكليس للأعمال بجامعة يوتا، أن الشركات منخفضة التكلفة المتبقية لن تملأ فراغ “سبيريت إيرلاينز” قريباً.

فبيئة الوقود المرتفع تجعل عدد الخطوط المربحة أقل مما كان عليه قبل حرب إيران، ما يعني أن “أليجانت” و”بريز إيروايز” لن تستوعبا كل الفجوات.

كما أن الفراغ نفسه ليس كبيراً كما يبدو، لأن 2% فقط من جمهور الطيران كان يختار “سبيريت إيرلاينز”.

“بريز إيروايز”، ومقرها سولت ليك سيتي، تقول إنها ليست نسخة أخرى من “سبيريت إيرلاينز”.

فالشركة التي أسسها ديفيد نيلمان، مؤسس “جيت بلو”، في 2021، تؤكد أن نموذجها مختلف جذرياً، لأنها لا تنافس على الخطوط نفسها، بل تركز على مطارات ثانوية ومدن غير مخدومة أو تعاني نقص الخدمات، وتوفر رحلات مباشرة تتيح للمسافرين تجنب القيادة الطويلة أو المرور عبر مراكز مزدحمة.

أظهر فحص حديث لأسعار “بريز إيروايز” رحلة ذهاب وعودة من ألباني إلى تامبا في يوليو بسعر أساسي قدره 400 دولار، مع مستويات أعلى تصل إلى 575 دولاراً وتشمل مقعداً في الدرجة الأولى وحقيبتين وخدمة واي فاي مجانية.

وكانت الشركة قد تحدثت سابقاً عن هدف طرح عام أولي بحلول 2027، لكنها تؤكد حالياً أن التركيز ينصب على النمو الذكي والتشغيل الآمن والموثوق.

تقول “بريز إيروايز” إن لديها مساحة واسعة للنمو عبر ربط مجتمعات أهملتها شركات أخرى، مثل أكرون-كانتون وكينغسبورت وإيفانسفيل وبند.

وتشير إلى معدل احتفاظ بالمطارات يبلغ 95% كدليل على حاجة السوق.

وتؤكد أنها لا تتوسع لمجرد التوسع، بل تضيف الخدمة عندما تدعم البيانات القرار، وحيث يخلق نموذج الرحلات المباشرة قيمة حقيقية للمسافرين.

يرى مايكل تايلور، من “جيه دي باور”، أن أقوى أسواق “سبيريت إيرلاينز” كانت فورت لودرديل وأورلاندو ولاس فيغاس.

وبينما ستحاول “جيت بلو” التقاط الطلب المتبقي في فورت لودرديل، تبدو “ساوث ويست إيرلاينز” في موقع أفضل لتلبية الطلب في أورلاندو ولاس فيغاس.

لكن ذلك لا يعني عودة المنافسة السعرية كما كانت، بل انتقال أجزاء من الطلب إلى شركات أكبر وأكثر قدرة على تمرير الكلفة.

ورغم أن شركات الطيران فائقة الانخفاض ستواصل البحث عن موطئ قدم في السوق الأمريكية، فإن أوروبا تبدو أكثر ملاءمة لهذا النموذج.

السبب، بحسب تايلور، أن المسافات الأقصر تسمح بتدوير الطائرات بسرعة أكبر، وهي نقطة أساسية في ربحية الشركات الاقتصادية، فيمكن لرحلة لا تتجاوز ثلاث ساعات أن تغطي دولاً أوروبية عديدة، بينما تتطلب رحلات كثيرة داخل الولايات المتحدة أكثر من أربع ساعات، ما يضعف كفاءة النموذج.

مع ذلك، تواجه الشركات الأوروبية ضغطاً كبيراً أيضاً.

فقد قفز وقود الطائرات في أوروبا إلى مستوى قياسي بلغ 1900 دولار للطن المتري وفق “أرجوس”، أي أكثر من ضعف مستوياته قبل أزمة إيران.

وتحملت “إيزي جيت” 25 مليون جنيه إسترليني من تكاليف الوقود الإضافية في مارس وحده، وسجلت خسارة رئيسية تراوحت بين 540 و560 مليون جنيه إسترليني في النصف المالي المنتهي في 31 مارس.

وحذر مايكل أوليري، رئيس “رايان إير”، من أن استمرار الحصار قد يؤدي إلى سقوط شركات أوروبية هذا الشتاء.

لكن روب ماثر، نائب رئيس قطاع الطيران والدفاع في “آي إف إس”، يحذر من قراءة انهيار “سبيريت إيرلاينز” كحكم نهائي على نموذج الطيران منخفض التكلفة.

فمشكلات الشركة بدأت قبل ارتفاع الوقود بفترة طويلة، والشركات الضعيفة أصلاً هي الأكثر تعرضاً للصدمات.

غير أنه يرى أيضاً أن السعر الأدنى لم يعد العامل الوحيد كما كان.

بعد 2020 تغير المسافرون وتغيرت أولوياتهم، وأصبح جيل الألفية أكثر استعداداً لدفع مبلغ إضافي مقابل شركة كاملة الخدمات.

أظهر استطلاع “أو إيه جي” للمسافرين في 2024 أن 27% من جيل الألفية مستعدون لدفع نحو 100 دولار إضافية للسفر مع شركة كاملة الخدمات بدلاً من منخفضة التكلفة، مقابل 17% إلى 18% لدى الجيل إكس ومواليد طفرة المواليد.

لا يتعلق الأمر بالمقاعد الممتازة فقط، بل بالتجربة الكاملة: إعادة الحجز التلقائي، والأمتعة المشمولة، وخدمة العملاء الأقوى، والموثوقية التي ازدادت قيمتها بعد اضطرابات الجائحة.

مع ذلك، لا يزال كثيرون يريدون وجود شركات رخيصة.

جيمس جينسون، وهو أب أعزب ومسافر متكرر من أوهايو، يقول إن السفر أصبح متاحاً كأنه مخصص لأعلى 1% فقط، بينما تحتاج العائلات إلى أسعار واقعية تمنحها فرصة رؤية العالم خارج محيطها.

وتقول روكسانا كولورادو، صاحبة عمل من تامبا، إنها اتجهت إلى “فرونتير إيرلاينز” بعد اختفاء “سبيريت إيرلاينز”، مؤكدة أن أصحاب الشركات الصغيرة والطلاب ومقدمي الرعاية لا يحتاجون دائماً إلى تجربة فاخرة، بل إلى سعر يمكن تحمله.

هذا التحول لا يقتصر على اختفاء اسم واحد من السوق، بل يكشف تغيراً في طريقة حساب شركات الطيران للمخاطر.

فالشركة التي كانت تراهن على ملء الطائرة بسرعة عبر سعر شديد الانخفاض باتت مطالبة اليوم بامتصاص تكاليف أعلى في الوقود والعمالة والصيانة والتأمين.

وعندما ترتفع تلك البنود، يصبح هامش الربح الضيق أول ما يتآكل.

لذلك تميل الشركات الكبرى إلى تفضيل الراكب الذي يدفع أكثر، بينما تجد الشركات الصغيرة نفسها أمام خيارين صعبين: رفع السعر فتفقد ميزتها، أو الإبقاء عليه فتخسر المال.

تزداد المشكلة لأن المسافر نفسه لم يعد ينظر إلى التذكرة الرخيصة بالطريقة القديمة.

الرسوم الإضافية على الحقائب والمقاعد والطعام وتغيير الحجز جعلت الفارق بين الرحلة الاقتصادية والرحلة التقليدية أقل وضوحاً.

فالتذكرة التي تبدو رخيصة عند الحجز قد تصبح قريبة من سعر شركة كاملة الخدمات بعد إضافة الضروريات. ولهذا تراجعت جاذبية الوعد القديم الذي بنى سوق الطيران منخفض التكلفة: ادفع أقل وتحمل خدمات أقل.

في هذا السياق، تتحول برامج الولاء وبطاقات الائتمان إلى سلاح حاسم. الشركات الكبرى لا تربح فقط من بيع المقاعد، بل من علاقة طويلة مع العميل تمتد إلى النقاط والمكافآت والإنفاق اليومي.

هذه العوائد تمنحها قدرة أكبر على تحمل الصدمات وخفض الأسعار تكتيكياً عند الحاجة، وهي قدرة لا تملكها الشركات الأصغر بالدرجة نفسها. لذلك يبدو مستقبل الطيران الرخيص في أمريكا أقل ارتباطاً بالشعار التجاري وأكثر ارتباطاً بالميزانية والوقود وحجم الشبكة.

وبينما يظل الطلب الشعبي على الرحلات الرخيصة قائماً، فإن قدرة الشركات على تلبيته تتراجع. فالمسافر يريد سعراً منخفضاً، لكنه يريد أيضاً رحلة مضمونة، وحقيبة مقبولة، وخدمة عند التعطل.

هذه المعادلة الجديدة تجعل نموذج الطيران الاقتصادي أقل بساطة مما كان، وتفتح الباب أمام سوق أصغر، وأكثر انتقائية، وأشد حساسية لأي أزمة مقبلة في الوقود أو الجغرافيا السياسية. وبذلك لا تختفي الرحلات الرخيصة تماماً، لكنها تصبح استثناء محسوباً لا قاعدة واسعة كما كانت سابقاً في السوق الحالية.

ينصح خبراء السفر العملاء بصناعة تجربتهم الاقتصادية بأنفسهم، عبر حساب التكلفة الكاملة وتوفير ما يمكن توفيره، مثل إحضار الوجبات الخفيفة بدلاً من شراء طعام المطارات باهظ الثمن، لتخصيص المال لاختيار المقعد أو خدمة ضرورية.

وتقول أودري كوهوت، من “لاجيدج فورورد”، إن خسارة “سبيريت إيرلاينز”، وارتفاع الوقود، وموسم الصيف الأمريكي، كلها عوامل ستدفع تكلفة السفر إلى أقصى حدودها.

#هل #انتهى #عصر #الطيران #الرخيص
➖➖➖➖➖➖➖➖➖➖
📡 المصدر : #جريدة_البورصة
➖➖➖➖➖➖➖➖➖➖

Comments

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *