“منذ 2000، مثلت الصين أبرز عامل داعم لارتفاع أسعار النفط بفضل نمو طلبها القوي، لكنها تتحول اليوم إلى قوة استقرار بالسوق”
تُعرف السعودية بأنها “المُصدر المرن” في سوق النفط، نظراً لقدرتها على زيادة إنتاجها أو خفضه استجابة للصدمات.
تاريخياً، لم يكن لهذا الدور نظير على جانب الطلب، إذ حافظت الدول المستهلكة على مستويات مشترياتها بشكل ثابت، باستثناء فترات الأزمات الاقتصادية الكبرى.
لكن هذا الوضع تغيّر الآن بعد حرب إيران، فقد برزت الصين كأول “مستورد مرن” في العالم.
الآثار المترتبة على تحول الصين إلى قوة موازنة لأسعار السلع الأساسية تتجاوز نطاق الصراع الأحدث في الشرق الأوسط.
ويمكن أن يعيد هذا التحول تشكيل سوق الطاقة والتوازنات الجيوسياسية في آسيا.
درع النفط الصيني
وإذا كانت صدمة الإمدادات عام 1973 قد أفرزت مصطلح “سلاح النفط العربي”، فإن الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران في عام 2026 قد تمنح العالم مصطلحاً جديداً هو “سلاح النفط الصيني”، أو ربما تكون كلمة “درع” أنسب، إذ يمكن أن تستخدم بكين النفط في مواجهاتها المستقبلية مع الولايات المتحدة.
تُظهر بيانات الجمارك الصينية الرسمية أن إجمالي واردات البلاد من النفط، بما يشمل الإمدادات عبر خطوط الأنابيب والسكك الحديدية، انخفض في مايو إلى أدنى مستوى له في ثماني سنوات عند 7.8 مليون برميل يومياً، أي أقل بنحو الثلث مقارنة بمستويات ما قبل اندلاع الحرب.
وتراجعت الواردات المنقولة عبر الناقلات البحرية بوتيرة أكبر، لتسجل أدنى مستوى لها في عشر سنوات، إذ جاءت أقل من متوسطها خلال عام 2025 بأكثر من 45%.
وبذلك، خفضت الصين متوسط وارداتها اليومية من النفط المنقول بحراً بمقدار يعادل إجمالي استهلاك ألمانيا وفرنسا والمملكة المتحدة مجتمعة، من دون أن يتعرض اقتصادها لأي أضرار، على الأقل فيما يبدو لنا من الخارج.
ورغم أن الوقت لا يزال مبكراً لفهم الكيفية التي نجحت بها بكين في تحقيق هذا الخفض، فإن هناك مؤشرات على نتائج محتملة لذلك.
على مستوى سوق النفط، من شأن هذا التحول أن يؤدي، ربما للأبد، إلى انخفاض علاوات المخاطر الجيوسياسية التي يضيفها المتعاملون إلى أسعار النفط، بعدما أدركت الأسواق أن الصين قادرة على تجاوز الاضطرابات الكبيرة في الإمدادات بطريقة لم يتخيلها أحد قبل أسابيع.
معضلة ملقا غيرت استراتيجية الصين
أما على الصعيدين الدبلوماسي والعسكري، فتبدو التداعيات أكثر عمقاً، إذ أصبحت الصين أقل عرضة بكثير للتأثر بأي حظر نفطي عبر الحصار البحري مما كان يُعتقد سابقاً، وهو تحول جذري في حال اندلاع صراع مع تايوان.
كان الرئيس الصيني الأسبق هو جينتاو قد أشار للمرة الأولى عام 2003 إلى ما عُرف بـ”معضلة ملقا”، في إشارة إلى اعتماد الصين الكبير في استيراد السلع الأساسية على مضيق ملقا، وهو ممر بحري ضيق يقع قرب ماليزيا وإندونيسيا وسنغافورة.
وفي المناورات العسكرية، افترض المخططون العسكريون الأمريكيون إمكانية استغلال هذا الاعتماد لقطع الموارد الطبيعية المهمة عن الصين إذا هاجمت تايوان. وكانت البحرية الأمريكية تتمتع بميزة إضافية وهي إمكانية فرض الحصار بعيداً عن البر الرئيسي الصيني.
شكلت “معضلة ملقا” جانباً مهماً من سياسات الصين المتعلقة بالموارد الطبيعية خلال العقدين الماضيين، ما يساعد في تفسير تحركها لتعزيز مصادر الطاقة المحلية.
أكبر احتياطي نفطي في العالم
حلت الطاقة الشمسية وطاقة الرياح في المقدمة، إلى جانب استثمارات ضخمة في المركبات الكهربائية، لكن الفحم لعب دوراً محورياً هو الآخر.
بنت الصين أكبر احتياطي نفطي استراتيجي في العالم، إذ بلغ حجم مخزونها بنهاية عام 2025 نحو 1.4 مليار برميل، أي ما يعادل ثلاثة أضعاف ما كانت أمريكا تتحكم فيه في ذلك الوقت، وأكثر من ستة أضعاف احتياطي اليابان.
كل هذه الأدوات المؤثرة في استهلاك الطاقة ظهرت خلال الشهرين الماضيين.
فعلى سبيل المثال، ارتفع استخدام المركبات الكهربائية بشكل حاد في أبريل ومايو، وتشير بيانات أولية إلى زيادة تتراوح بين 50% و80% على أساس سنوي في عمليات شحن المركبات على الطرق السريعة الصينية.
وفي الوقت نفسه، بلغ إنتاج الكهرباء المولدة من الفحم مستوى قياسياً على أساس موسمي في أبريل، بينما اعتمدت الصين على تحويل الفحم إلى مواد كيميائية لتوفير منتجات أساسية مثل الأسمدة، رغم نقص مواد اللقيم التقليدية.
ولا يزال دور الاحتياطي النفطي الاستراتيجي الصيني غير واضح، لكن التقديرات تشير إلى أن بكين ربما سحبت ما بين 100 و200 مليون برميل من مخزوناتها، على الأرجح من المواقع التخزينية تحت الأرض، خلال الفترة الممتدة بين منتصف أبريل ومنتصف يونيو.
وبطبيعة الحال، جاءت هذه الإجراءات بدافع الحاجة إذ أدى إغلاق مضيق هرمز إلى توقف إمدادات السلع الأساسية إلى آسيا.
تحول مهم
ولا يُتوقع أن يظل صانعو السياسات في الصين بنفس هذا النشاط إذا ما صمد اتفاق السلام الناشئ.
فما ستفعله بكين لاحقاً غير واضح بعد.
وإذا كانت قد استخدمت بالفعل جزءاً من احتياطياتها الاستراتيجية، فمن المرجح أن تعيد بناء هذه المخزونات، ما قد يمنح الطلب العالمي على النفط في المدى القصير.
لكن الأهم من ذلك أن تحولاً مهماً قد حدث بالفعل. فمنذ عام 2000، مثلت الصين أبرز عامل داعم لارتفاع أسعار النفط بفضل نمو طلبها القوي، لكنها تتحول اليوم إلى قوة استقرار في السوق، وهو ما يُعد عاملاً ضاغطاً على الأسعار في المدى الطويل.
وإذا كان استخدام الدول العربية لسلاح النفط عام 1973 قد تسبب في أول أزمة طاقة عالمية، فقد استخدمت الصين درعها في 2026 لاحتواء الصدمة بفعالية كبيرة حالت دون اندلاع أزمة في الأسواق. وهذه أيضاً سابقة تاريخية.
ارتفعت أسعار النفط، وإن لم يكن بالقدر المتوقع سابقاً، وظل التضخم تحت السيطرة نسبياً، واستمر نمو سوق العمل، فيما حققت “وول ستريت” ازدهاراً ملحوظاً. هذه نتيجة استثنائية بالنظر إلى ما حدث في مضيق هرمز.
بقلم: خافيير بلاس، كاتب مقالات رأي لدى “بلومبرج”
المصدر: وكالة أنباء “بلومبرج”
#خافيير #بلاس #يكتب #كيف #أصبح #النفط #درع #الصين #في #مواجهة #الصدمات
➖➖➖➖➖➖➖➖➖➖
📡 المصدر : #جريدة_البورصة
➖➖➖➖➖➖➖➖➖➖



اترك تعليقاً