يبدو من المنطقي افتراض أن الدول التي تمتلك ثروات هائلة من الموارد الطبيعية (النفط، الغاز الطبيعي، المعادن، وحتى الزراعة) تحظى بميزة نسبية مقارنة بالدول الأقل حظاً.
ومع ذلك، فإن الدول الغنية بالموارد في أفريقيا والشرق الأوسط وأمريكا اللاتينية غالباً ما أخفقت في تحقيق الازدهار الذي نجحت فيه بعض الجزر وشبه الجزر الفقيرة بالموارد في شرق آسيا.
واليوم، يرى البعض أن هذه “لعنة الموارد” قد تكون بصدد حصد ضحية جديدة وغير متوقعة: الولايات المتحدة.
اللعنة حقيقية. فالعلاقة السلبية بين صادرات الموارد الطبيعية والأداء الاقتصادي ذات دلالة إحصائية في عينة تضم 113 دولة.
خلال الفترة من 1970 إلى 2024، سجلت الدول التي شكلت فيها الوقود والمعادن نصف صادراتها نمواً سنوياً في الناتج المحلي الإجمالي أقل بنحو 0.9 نقطة مئوية—أي ما يعادل 49% بشكل تراكمي—مقارنة بالدول التي لا تعتمد على الموارد.
ويكشف استعراض الأبحاث المتعلقة بلعنة الموارد عن أربعة مسارات محتملة لانتقال آثارها.
أولها تقلب أسعار السلع الأساسية، إذ إن التحولات المتكررة بين القطاعات استجابةً لإشارات الأسعار المتغيرة باستمرار تولد تكاليف إضافية وتثبط الاستثمار.
أما المسار الثاني فيُعرف باسم “المرض الهولندي”. فعندما يؤدي ازدهار أسعار السلع إلى ارتفاع سعر الصرف الحقيقي، تصبح القطاعات القابلة للتداول غير المرتبطة بالسلع—وخاصة التصنيع—أقل قدرة على المنافسة.
وينتج عن ذلك تحول اقتصادي كلي بعيداً عن هذه القطاعات نحو السلع والخدمات غير القابلة للتداول، مثل الإسكان والأنشطة الحكومية.
وبما أن التصنيع هو القطاع الذي يحقق مكاسب ديناميكية—من خلال التعلم بالممارسة، والتقدم التكنولوجي، وانتقال الابتكار—فإن الأثر الإجمالي على النمو الاقتصادي يكون سلبياً.
أما المسارات المتبقية فهي مؤسسية. إذ يمكن أن تؤدي وفرة الموارد الطبيعية إلى مؤسسات فوضوية، ما يفضي إلى استنزاف سريع للموارد غير المتجددة وعدم استقرار سياسي، بل وحتى حروب أهلية.
كما أن الاعتماد الكبير على الموارد الطبيعية غالباً ما يؤدي إلى السعي وراء الريع والفساد، ما يعزز ترسيخ أنظمة استبدادية وأوليغارشية عرضة لإخفاقات السياسات.
فالحكومة التي تسيطر على النفط أو المعادن تكون أقل حاجة إلى الإيرادات الضريبية، وبالتالي لا تجد حافزاً كبيراً لتعزيز الديمقراطية أو نمو القطاع الخاص اللامركزي.
وقد تجلت هذه الديناميكية في المستعمرات الأمريكية الأوروبية.
فقد كان الافتراض الأصلي أن مستعمرات إسبانيا في أمريكا اللاتينية أكثر قيمة من مستعمرات بريطانيا في أمريكا الشمالية، نظراً لاحتوائها على معادن مثل الذهب ومحاصيل زراعية مثل السكر. (إذ لم يكن الذهب قد اكتُشف بعد في أمريكا الشمالية).
لكن انتشار السعي وراء الريع، والتفاوت الاجتماعي، وصعود النخب الأوليغارشية، أدى إلى أن تحقق هذه الموارد فوائد محدودة للتنمية.
في المقابل، لم يكن أمام مستعمرات بريطانيا خيار سوى تعزيز قطاع خاص ديناميكي، خاصة بعد حصولها على الاستقلال.
وبحلول انطلاق الثورة الصناعية في القرن التاسع عشر، كانت الولايات المتحدة قد أسست بيئة اقتصادية أثبتت أنها مواتية للغاية للنمو والتنمية.
اليوم، لا تزال الولايات المتحدة أكبر اقتصاد في العالم، مع قطاع خاص ديناميكي وثري.
مع ذلك، فإنها تتصرف بشكل متزايد كدولة نفطية.
فقد شهد إنتاج النفط والغاز الأمريكي دفعة كبيرة نحو عام 2009، بفضل ثورة تكنولوجية لافتة في طاقة البترول الصخري.
لكن عودة الرئيس الأمريكي دونالد ترمب إلى البيت الأبيض العام الماضي جلبت تحولاً حاداً نحو النفط والغاز، على حساب الطاقة المتجددة.
ويزعم ترمب أن الوقود الأحفوري ضروري لأمن أمريكا وقوتها وازدهارها، بينما يصف الطاقة المتجددة بأنها “مزحة”—باهظة الثمن، غير موثوقة، وغير قادرة على تلبية احتياجات البلاد.
وقد استخدم مجموعة من الأدوات لترسيخ هذه الرواية.
فبينما زاد دعم الوقود الأحفوري، بما في ذلك تقديم عقود إيجار للتنقيب في الأراضي الفيدرالية بأسعار أقل من السوق، قام بإلغاء الدعم المقدم للطاقة المتجددة الذي أقره سلفه جو بايدن، وعرقل مشروعات طاقة الرياح والطاقة الشمسية المصرح بها، وألغى القروض الفيدرالية ذات الصلة.
لكن ترمب مخطئ. فقد أدت تطورات شبه معجزة في إنتاج سلع مثل الألواح الشمسية، وتوربينات الرياح، والسيارات الكهربائية، والبطاريات، إلى انخفاض حاد في تكاليف الطاقة المتجددة في السنوات الأخيرة، ما جعلها قادرة على منافسة الوقود الأحفوري.
كل ما يفعله ترمب هو ضمان استبعاد الولايات المتحدة من هذا التقدم، الذي يحدث إلى حد كبير في الصين، وبدرجة أقل في أوروبا.
يرى الاقتصادي الحائز على جائزة نوبل بول كروجمان أن انتعاش إنتاج الوقود الأحفوري في الولايات المتحدة منذ 2010 قد أزاح قطاع التصنيع بشكل عام والطاقة المتجددة بشكل خاص.
وتشير حساباته التقريبية إلى أن طفرة طاقة البترول الصخري جعلت قطاع التصنيع الأمريكي أصغر بنحو 10%، وخفضت العمالة الصناعية بنحو 1.3 مليون وظيفة مقارنة بما كان يمكن أن تكون عليه.
فهل هذه هي لعنة الموارد في طور العمل؟
ثمة شكوك في ذلك. فمن بين قنوات الانتقال الأربع، يُقال إن اثنتين تنطبقان على الولايات المتحدة اليوم: إذ يزاح قطاع الوقود الأحفوري قطاعات أخرى (الطاقة المتجددة وغيرها من الصناعات التحويلية) التي قد تحقق مكاسب ديناميكية أكبر، كما أن الثروة المتزايدة لدى مالكي الوقود الأحفوري تمارس تأثيراً سياسياً مفسداً.
بالتأكيد، توجد مؤشرات على كلا الأمرين. لكن النفط والغاز، وكذلك الزراعة، يحققان أيضاً مكاسب ديناميكية من خلال انتقال التكنولوجيا والتعلم بالممارسة، تماماً مثل التصنيع، ومؤخراً الطاقة المتجددة.
علاوة على ذلك، فإن الزيادات الهائلة في الإنتاجية التي سجلتها الولايات المتحدة في الزراعة والتعدين عبر تاريخها—بفضل الدعم الفيدرالي للبحث جزئياً—لم تمنع تحقيق زيادات ضخمة في إنتاجية التصنيع.
ينطبق الأمر ذاته على أستراليا وتشيلي والنرويج، وبشكل متزايد على جنوب شرق آسيا.
فالسياسات التي تدعم ازدهار قطاع الموارد الطبيعية لا يجب أن تكون على حساب التصنيع أو القطاعات الأخرى.
والمفتاح هو توافر الشروط المناسبة لتمكين العديد من القطاعات من الازدهار: سيادة قانون قوية، مستويات منخفضة من الفساد، ضوابط على السلطة التنفيذية، قضاء مستقل، استقرار اقتصادي كلي، تجارة حرة، ودعم حكومي للبحث.
في ظل حرب إيران، التي دفعت أسعار النفط إلى ما يقرب من ضعف مستوياتها قبل الحرب، أصبحت لدى شركات النفط الأمريكية حوافز أكبر لزيادة الإنتاج.
لكن هذه الحرب—المروعة في معظم جوانبها—قد تحمل أيضاً جانباً إيجابياً محدوداً: فمع ارتفاع أسعار الوقود الأحفوري، سيتجه المستخدمون نحو الطاقة المتجددة، ما يحفز مزيداً من مكاسب الإنتاجية في هذا القطاع.
#هل #تقع #الولايات #المتحدة #ضحية #لعنة #الموارد
➖➖➖➖➖➖➖➖➖➖
📡 المصدر : #جريدة_البورصة
➖➖➖➖➖➖➖➖➖➖


اترك تعليقاً