كريم مرسى يكتب: قبل صدور الفاتورة.. لماذا تحتاج مصر إلى منصة وطنية للاستثمار فى التكيف؟

كريم مرسى يكتب: قبل صدور الفاتورة.. لماذا تحتاج مصر إلى منصة وطنية للاستثمار فى التكيف؟

قد لا تظهر تكلفة تغير المناخ دائماً في صورة فاتورة واحدة يمكن حسابها بسهولة. أحياناً تظهر في صورة بنية تحتية تحتاج إلى إصلاح، أو إنتاج زراعي يتراجع، أو موارد مائية تتعرض لضغوط متزايدة، أو مدينة تحتاج إلى استثمارات جديدة لتصبح أكثر قدرة على مواجهة موجات الحرارة والسيول.

ومع تزايد هذه التحديات، يصبح السؤال أكثر إلحاحاً: هل ننتظر وقوع الخسائر ثم نبحث عن التمويل، أم نستثمر مسبقاً في تقليل المخاطر؟

هنا تبرز أهمية الاستثمار في التكيف مع تغير المناخ. فالتكيف لا يعني فقط الاستجابة للآثار المناخية بعد وقوعها، بل يعني أيضاً التخطيط والاستثمار مسبقاً لحماية الأصول والاقتصاد والمجتمع.

لكن توفير التمويل اللازم للتكيف يمثل تحدياً كبيراً. فاحتياجات الاستثمار واسعة، بينما تواجه الموازنات العامة ضغوطاً متزايدة، كما أن العديد من مشروعات التكيف لا تحقق بالضرورة عائداً مالياً مباشراً وسريعاً، رغم ما تحققه من منافع اقتصادية واجتماعية طويلة الأجل.

ومن هنا تبرز فكرة إنشاء منصة وطنية للاستثمار في التكيف المناخي.

لماذا منصة وطنية؟

تحتاج مشروعات التكيف إلى أكثر من مجرد التمويل. فهي تحتاج إلى تحديد واضح للمخاطر، وبيانات موثوقة، ودراسات فنية ومالية، وتقييم للعوائد والمنافع، وآليات تساعد على توزيع المخاطر بين الأطراف المختلفة.

وهنا يمكن للمنصة الوطنية أن تؤدي دوراً يتجاوز دور صندوق التمويل التقليدي.

فبدلاً من انتظار أن تبحث كل جهة أو مشروع عن مصادر التمويل بشكل منفصل، يمكن للمنصة أن تعمل على تحديد الأولويات الوطنية، وتطوير محفظة من مشروعات التكيف، وإعدادها لتصبح قابلة للتمويل والاستثمار.

وبذلك، يمكن أن تتحول المنصة إلى حلقة وصل بين الاحتياجات المناخية من جهة، ومصادر التمويل والاستثمار من جهة أخرى.

من احتياجات مناخية إلى فرص استثمارية

تمتلك مصر العديد من المجالات التي يمكن أن تجمع بين التكيف والتنمية الاقتصادية.

فرفع كفاءة استخدام المياه يمكن أن يدعم الأمن المائي والإنتاجية الزراعية. وتطوير البنية التحتية يمكن أن يحمي الأصول والنشاط الاقتصادي. والاستثمار في المدن والمناطق الساحلية يمكن أن يقلل من الخسائر المستقبلية ويحمي الاستثمارات القائمة.

لكن تحويل هذه الاحتياجات إلى فرص استثمارية يتطلب تطوير المشروعات وإعدادها بصورة واضحة، وتحديد المخاطر والمنافع، وربطها بمصادر التمويل المناسبة.

وهنا يمكن أن تقوم المنصة بدور محوري في بناء محفظة وطنية من المشروعات القابلة للاستثمار في التكيف.

القطاع الخاص شريك أساسي

لن تتمكن الموازنات العامة وحدها من تمويل جميع احتياجات التكيف. ولذلك، فإن تعبئة رأس المال الخاص يجب أن تكون جزءاً أساسياً من أي منظومة وطنية للاستثمار في التكيف.

لكن القطاع الخاص يحتاج إلى بيئة واضحة ومستقرة. فهو يحتاج إلى بيانات أفضل عن المخاطر المناخية، ومشروعات قابلة للتقييم، وأطر تنظيمية واضحة، وآليات تساعد على تقليل المخاطر.

ومن خلال أدوات مثل الضمانات، والتمويل المختلط، والتمويل الميسر، والشراكات بين القطاعين العام والخاص، يمكن للمنصة أن تساعد على جذب استثمارات خاصة أكبر.

فالهدف ليس أن يحل التمويل الخاص محل التمويل الحكومي، بل أن تُستخدم الموارد العامة والتنموية بطريقة استراتيجية لتحفيز رأس مال إضافي.

الاستثمار قبل صدور الفاتورة

إن إنشاء منصة وطنية للاستثمار في التكيف لا يعني فقط إنشاء آلية جديدة للتمويل، بل يمثل تغييراً في طريقة التعامل مع المخاطر المناخية.

فبدلاً من انتظار وقوع الأضرار ثم تحمل تكلفتها، يمكن توجيه الاستثمارات مسبقاً نحو تقليل المخاطر وحماية الأصول وتعزيز القدرة على الصمود.

وهذا التحول مهم بالنسبة لمصر، حيث تتقاطع المخاطر المناخية مع قطاعات حيوية مثل المياه والزراعة والبنية التحتية والمدن والمناطق الساحلية.

وفي النهاية، فإن السؤال ليس فقط: كم نحتاج إلى تمويل التكيف؟ بل أيضاً: كيف يمكننا بناء منظومة تجعل هذا التمويل أكثر كفاءة، وتوجهه إلى المشروعات الأكثر أهمية، وتجذب إليه رأس المال الخاص؟

قد تكون المنصة الوطنية للاستثمار في التكيف المناخي إحدى الإجابات العملية عن هذا السؤال.

فالأفضل دائماً أن نستثمر في تقليل المخاطر قبل صدور الفاتورة.

بقلم:
د. كريم مرسي خبير بالأمم المتحدة ومستشار وزير البيئة السابق

#كريم #مرسى #يكتب #قبل #صدور #الفاتورة. #لماذا #تحتاج #مصر #إلى #منصة #وطنية #للاستثمار #فى #التكيف
➖➖➖➖➖➖➖➖➖➖
📡 المصدر : #جريدة_البورصة
➖➖➖➖➖➖➖➖➖➖

Comments

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *