كيف تصيغ مصر “نموذجها الذهبي” للإصلاح الاقتصادي؟

كيف تصيغ مصر “نموذجها الذهبي” للإصلاح الاقتصادي؟

تسعى مصر نحو تحقيق نمو مستدام، يقوم على استغلال الموارد الذاتية والإصلاح الاقتصادي، وترتكز رؤية “مصر 2030″، على بناء اقتصاد تنافسي، والاستثمار في رأس المال البشري كالأجندة الوطنية للتنمية المستدامة، والتحول نحو الطاقة النظيفة كمحطة الضبعة النووية، وتعظيم مشروعات البنية التحتية لدفع عجلة الإنتاج والتصدير.

وتتمثل المحاور الرئيسية لتحقيق هذا النمو في التنويع الاقتصادي والتصدير، عبر دعم القطاعات الإنتاجية مثل الصناعة والزراعة والتكنولوجيا لتقليل الاعتماد على الواردات وجذب الاستثمار الأجنبي المباشر.

أيضا إدارة أصول الدولة، عبر تحويل الأصول غير المستغلة إلى مشروعات إنتاجية تخلق قيمة مضافة، وزيادة نسبة مساهمة الطاقة الجديدة والمتجددة في إجمالي الطاقة، وضبط معدلات النمو السكاني، وتطوير البنية التحتية التكنولوجية والخدمات الذكية لتحسين كفاءة العمل وتسريع وتيرة تقديم الخدمات للمواطنين. 

وهنا يبرز تساؤل حول ما آليات الاستفادة من الخبرات الدولية في مسيرة الإصلاح الاقتصادي المصري؟.

بداية أجمع خبراء تحدثوا لـ”البورصة”، على أن الطريق لا يكمن في “استنساخ” النماذج الجاهزة فقط بل في صياغة رؤية وطنية متكاملة تستخلص المبادئ المشتركة للتجارب الناجحة، وتطوعها وفقاً لخصوصية الاقتصاد المصري وتحدياته الهيكلية، وذلك من خلال ترتيب الأولويات، وتمكين القطاع الخاص، وتعزيز الحوكمة لضمان تحويل الاستقرار المالي إلى واقع ملموس يلمس أثره المواطن في حياته اليومية.

قالت شيرين الشواربي، أمين عام حزب الوعي وعميد كلية السياسة والاقتصاد وإدارة الأعمال بجامعة النيل، إن التجارب الاقتصادية الناجحة حول العالم لا يمكن استنساخها أو نقلها من دولة إلى أخرى، لأن كل دولة تمتلك ظروفًا اقتصادية وسياسية واجتماعية مختلفة.

أضافت أن الدول التي حققت نجاحًا لم تنسخ تجارب غيرها، وإنما استفادت من الخبرات الدولية ثم صاغت نموذجها الخاص بما يتناسب مع أولوياتها وأهدافها التنموية.

وأوضحت الشواربي، أن أبرز ما يمكن الاستفادة منه هو ما توصلت إليه لجنة النمو التي راجعت تجارب الدول الناجحة والفاشلة وحددت مجموعة من الركائز المشتركة لتحقيق النمو المستدام، مؤكدة أن هذه الركائز تمثل إطارًا عامًا يمكن البناء عليه عند تصميم أي برنامج إصلاح اقتصادي.

وشددت على أن الاستقرار النقدي والمالي وحده لا يكفي إذا لم يصاحبه تنفيذ إصلاحات هيكلية حقيقية، فالاقتصادات التي تعتمد فقط على إجراءات لتحقيق هذا الاستقرار، تعود سريعًا إلى دوامة التضخم والاختلالات المالية.

وأشارت إلى أن رفع معدلات الاستثمار والإنتاجية يمثل أحد أهم عناصر نجاح التجارب الدولية، مؤكدة أن مصر ما زالت بحاجة إلى تسريع الإصلاحات المتعلقة بتيسير بيئة الأعمال وتبسيط الإجراءات، إلى جانب قياس إنتاجية العمل ورأس المال بصورة دورية، والاستفادة من التكنولوجيا في رفع كفاءة الاقتصاد.

قالت الشواربي، إن التجارب الناجحة اعتمدت أيضًا على الاستثمار في التعليم وتنمية المهارات، وبناء مؤسسات كفؤة تتمتع بحوكمة فعالة، إلى جانب توفير بيئة تنافسية واضحة القواعد تدعم الابتكار وريادة الأعمال، مؤكدة أن وضوح التشريعات واستقرارها يمثلان عنصرًا أساسيًا لجذب الاستثمار.

وتابعت: “من أهم الدروس المستفادة ضرورة وجود آليات مستمرة لتقييم نتائج السياسات الاقتصادية وقياس مدى تحقيقها للأهداف”، موضحة أن إطلاق الاستراتيجيات وحده لا يكفي، وإنما يجب متابعة التنفيذ ومحاسبة الجهات المسؤولة عن تحقيق المستهدفات.

وفيما يتعلق بدور القطاع الخاص، أكدت الشواربي ، أن الدولة لا يزال أمامها طريق طويل في برنامج الطروحات الحكومية، و يجب تجنب أن تصبح قرارات التخارج فردية، وتجنب أن تُحسم على مستوى كل مشروع وليس القطاع بالكامل.

أضافت أن نجاح أي برنامج إصلاح اقتصادي يتطلب توافقًا مجتمعيًا، لأن المواطنين لن يدعموا الإصلاحات ما لم يلمسوا تحسنًا حقيقيًا في مستويات المعيشة وفرص العمل وجودة الخدمات، مشيرة إلى أن إجراءات الاستقرار الاقتصادي تكون بطبيعتها انكماشية، وهو ما يستوجب موازنتها بإصلاحات هيكلية ترفع الإنتاجية والصادرات وتخلق وظائف لائقة.

ولفتت إلى أن تحقيق الاستقرار الاقتصادي يجب أن يكون وسيلة للوصول إلى معدلات نمو مرتفعة ومستدامة، وليس هدفًا في حد ذاته، موضحة أن نجاح الإصلاح يقاس بقدرته على تحسين حياة المواطنين، وليس فقط بتحسن المؤشرات الكلية.

وحول برامج صندوق النقد الدولي، أوضحت الشواربي أن الصندوق يمتلك وصفة اقتصادية معروفة للدول التي تلجأ إليه. وأهمية الاتفاق معه لا تقتصر على قيمة التمويل، وإنما تمتد إلى تعزيز ثقة المؤسسات والأسواق المالية الدولية في الاقتصاد، مؤكدة في الوقت نفسه أن مسؤولية استكمال الإصلاحات الهيكلية تظل مسؤولية الدولة نفسها، وفقًا لأولوياتها واحتياجاتها التنموية.

متولي: النجاح يقاس بقدرة الاقتصاد على ضبط فاتورة الواردات 

وقال علي متولي الاستشاري الاقتصادي في شركة “Ibis للاستشارات”، إن أهم درس يمكن لمصر تحصيله من تجارب الإصلاح الاقتصادي في الدول المختلفة هو عدم استنساخ أي تجربة كما هي، لأن لكل دولة ظروفها الاقتصادية والديموغرافية والسياسية المختلفة.

وأشار إلى أن ماليزيا ليست مصر، وسنغافورة تختلف في حجمها وطبيعة اقتصادها، كما أن الصين تمتلك نموذجًا خاصًا، بينما مرت البرازيل والأرجنتين بظروف اقتصادية وتاريخية تختلف عن الحالة المصرية.

أضاف متولي، أن النهج الصحيح يتمثل في استخلاص المبادئ المشتركة من التجارب الناجحة وبناء برنامج إصلاح اقتصادي مصري يتناسب مع حجم الاقتصاد وعدد السكان والموقع الجغرافي واحتياجات الدولة من النقد الأجنبي، مؤكدًا أن نجاح أي برنامج لا يقاس بالأرقام المستهدفة للصادرات فقط، وإنما أيضًا بقدرة الاقتصاد على ضبط فاتورة الواردات وتحقيق توازن مستدام في التجارة الخارجية.

وأوضح أن التجربة الماليزية أثبتت أن الإصلاح الاقتصادي لا ينجح إذا اقتصر على خفض التضخم والعجز المالي فقط، وإنما يجب أن يتحول الاستقرار الاقتصادي إلى قاعدة للتصنيع والتصدير وجذب الاستثمارات، خاصة في الصناعات المرتبطة بسلاسل القيمة العالمية.

وأشار متولي، إلى أن مصر يمكنها الاستفادة من هذا النموذج عبر التركيز على عدد محدود من القطاعات ذات القدرة التصديرية، مثل الصناعات الغذائية والدوائية والهندسية، وصناعة السيارات ومكوناتها، والمنسوجات، وتكنولوجيا المعلومات والطاقة المتجددة، مع توفير الأراضي والطاقة والتمويل والتراخيص وبرامج التدريب وربط هذه الصناعات بالموانئ وشبكات الخدمات اللوجستية.

وفيما يتعلق بتجربة سنغافورة، لفت إلى أن الميزة التنافسية الحقيقية لم تكن في الحوافز الضريبية، وإنما في كفاءة الإدارة وسرعة الإجراءات وجودة المؤسسات، موضحًا أن المستثمر يبحث في المقام الأول عن سرعة إنجاز معاملاته، ووضوح القوانين، ووجود آليات عادلة لحل النزاعات، وليس فقط عن الإعفاءات الضريبية.

أضاف أن مصر تستطيع الاستفادة من هذه التجربة من خلال تحويل نظام “الشباك الواحد” إلى منظومة مطبقة فعليًا في جميع المحافظات والمناطق الاستثمارية، مع تقليص عدد الموافقات المطلوبة، واستكمال رقمنة خدمات التراخيص والجمارك، وربط تقييم المسؤولين بسرعة إنجاز خدمات المستثمرين وجودة الأداء، بما يعزز كفاءة بيئة الأعمال.

وعن التجربة الصينية، قال متولي، إن نجاح الصين استند إلى التنسيق القوي بين الاستثمار الأجنبي والبنية التحتية والسياسات الصناعية .. لكن توسع الدولة بصورة كبيرة في بعض القطاعات أدى في أحيان كثيرة إلى مزاحمة القطاع الخاص وخلق فائض في الطاقة الإنتاجية وتشوهات في تخصيص الموارد.

وتابع: “النموذج الأنسب لمصر يتمثل في أن تضطلع الدولة بدور المنظم والمراقب وصاحب الرؤية الاستراتيجية، مع تمويل البنية الأساسية ووضع الأولويات، بينما يقود القطاع الخاص النشاط الإنتاجي والاستثماري، في إطار من الرقابة الفعالة وتطبيق القوانين بما يضمن تحقيق قيمة مضافة للاقتصاد المحلي وتعظيم الاستفادة من الاستثمارات”.

أضاف أن تجارب دول مثل السعودية والإمارات توضح أهمية الدور الحكومي في تأسيس البنية الأساسية وتهيئة البيئة الاستثمارية، قبل إتاحة مساحة أكبر للقطاع الخاص للمشاركة في التنمية، مع استمرار وجود رقابة وتنظيم فعالين للأسواق.

كما أن مرونة سعر الصرف لا تعني تثبيته، وإنما تعني السماح له بالتحرك وفق آليات السوق مع الحفاظ على الاستقرار العام، لافتًا إلى أن ما حدث خلال التوترات الجيوسياسية الأخيرة أظهر قدرة السوق على امتصاص الصدمات، إذ ارتفع سعر الصرف مؤقتًا ثم عاد للتراجع مع انحسار المخاطر، دون تدخل مباشر يستنزف الاحتياطيات.

أما بالنسبة للأرجنتين، فيرى متولي، أنها تمثل نموذجًا تحذيريًا أكثر منها تجربة يمكن الاقتداء بها، موضحًا أن تأجيل الإصلاحات الاقتصادية، والاعتماد على التمويل قصير الأجل، وتراجع الثقة في العملة والسياسات الاقتصادية، وعدم التنسيق بين مؤسسات الدولة، كلها عوامل أدت إلى تكرار دورات خفض العملة والتضخم والركود وتراجع الاستثمار.

أضاف أن أهم الدروس المستفادة من التجربة الأرجنتينية هو ضرورة عدم التراجع عن الإصلاحات بعد انتهاء برامج صندوق النقد الدولي، وتجنب العودة إلى تثبيت سعر الصرف بصورة مصطنعة أو تأجيل إصلاحات القطاع العام، مع التركيز على جذب الاستثمارات والإنتاج والتصدير بدلاً من الاعتماد المفرط على التدفقات قصيرة الأجل، بما يضمن استدامة الاستقرار الاقتصادي على المدى الطويل.

مرسي: استمرار سياسة مرونة سعر الصرف 

وقال منصف مرسي، رئيس قطاع البحوث بشركة سي آي كابيتال، إن الاستفادة من التجارب الإصلاحية للدول الأخرى لا تعني نسخ نماذجها بشكل كامل، وإنما استخلاص المبادئ والعوامل المشتركة التي ساعدت هذه الدول على تحقيق النمو، ثم إعادة صياغتها بما يتناسب مع طبيعة الاقتصاد المصري واحتياجاته.

وأوضح أن هناك مجموعة من الركائز الأساسية التي يجب أن تستند إليها أي خطة اقتصادية خلال الفترة المقبلة، في مقدمتها استمرار سياسة مرونة سعر الصرف التي يتبعها البنك المركزي خلال العامين الماضيين، باعتبارها جزءًا أساسيًا من أي برنامج اقتصادي مستقبلي.

أضاف مرسي، أن السياسة المالية تمثل ركيزة أخرى مهمة، من خلال الاستمرار في ضبط الإنفاق الحكومي وتوجيه الموارد المتاحة إلى القطاعات الأكثر إنتاجية، سواء عبر دعم النشاط التصديري أو زيادة الإنفاق على قطاعات مثل التعليم والصحة، مشيرًا إلى أن هذه المجالات لها تأثيرات إنتاجية أكبر مقارنة بالعديد من أوجه الإنفاق الأخرى.

وأشار إلى أن تمكين القطاع الخاص يمثل أحد المحاور الرئيسية لأي برنامج إصلاحي قادم، موضحًا أن وجود سياسة واضحة بشأن دور الدولة في النشاط الاقتصادي، من خلال تطبيق وثيقة سياسة ملكية الدولة، يمنح المستثمرين رؤية أكثر وضوحًا بشأن القطاعات التي يمكن أن تشهد مشاركة أكبر من القطاع الخاص.

وضرب مرسي، مثالًا بقطاع المطارات، معتبرًا أن إسناد إدارة المطارات للقطاع الخاص يمثل رسالة إيجابية بشأن توجه الدولة نحو زيادة مشاركة القطاع الخاص، فضلًا عن تأثير ذلك على النشاط السياحي، الذي يمتد أثره إلى العديد من القطاعات الاقتصادية المرتبطة به.

أضاف أن تحسين أداء الاقتصاد المصري خلال المرحلة المقبلة يعتمد على ثلاثة محاور رئيسية؛ أولها السياسة النقدية، وثانيها السياسة المالية، وثالثها الاقتصاد الحقيقي من خلال تعزيز دور القطاع الخاص وزيادة مشاركته في الأنشطة الاقتصادية.

وفيما يتعلق بتجارب الدول في مكافحة الفساد وتحسين كفاءة الجهاز الإداري، أوضح مرسي أن مواجهة هذه الظاهرة تحتاج إلى مجموعة من الأدوات، سواء عبر تحسين الأجور والحوافز للعاملين أو تعزيز الشفافية والحوكمة وتطبيق القوانين.

وشدد مرسي، على أن الشفافية تمثل عاملًا أساسيًا لجذب الاستثمار وتحسين بيئة الأعمال، موضحًا أن المستثمر لا يشترط بالضرورة أن تكون الدولة خالية من التحديات، لكنه يحتاج إلى وضوح بشأن طبيعة المشكلات الموجودة وآليات التعامل معها حتى يتمكن من وضعها ضمن خططه وميزانياته الاستثمارية.

واختتم قائلًا إن الإصلاح الاقتصادي لا يعتمد على تنفيذ جميع الإجراءات في وقت واحد، وإنما يحتاج إلى ترتيب الأولويات، مؤكدًا أن استمرار مرونة سعر الصرف، والانضباط المالي، وتمكين القطاع الخاص، إلى جانب تعزيز الشفافية، تمثل أهم الأولويات في المرحلة المقبلة.

 

 

#كيف #تصيغ #مصر #نموذجها #الذهبي #للإصلاح #الاقتصادي
➖➖➖➖➖➖➖➖➖➖
📡 المصدر : #جريدة_البورصة
➖➖➖➖➖➖➖➖➖➖

Comments

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *