رغم النمو المتسارع الذي يشهده قطاع التكنولوجيا و”الفينتك” في مصر خلال السنوات الأخيرة، والزيادة الملحوظة في حجم الاستثمارات الموجهة إلى الشركات الناشئة، ما زال تمثيل القطاع داخل البورصة المصرية محدودًا مقارنة بحجمه في الاقتصاد أو بحجم الاهتمام الذي يحظى به من المستثمرين.
وتستحوذ شركات قطاع الاتصالات والإعلام وتكنولوجيا المعلومات على نحو 8.8% من إجمالي رأس المال السوقي للبورصة المصرية بنهاية الربع الثاني من العام الجاري، وهي نسبة يرى محللون أنها لا تعكس حجم التحول الرقمي الذي تشهده الدولة ولا التوسع المستمر في أنشطة المدفوعات الإلكترونية والتجارة الرقمية والخدمات المالية التكنولوجية.
وذكر خبراء سوق المال أن غياب شركات التكنولوجيا عن البورصة المصرية لا يرتبط بضعف البيئة التنظيمية أو عدم ملاءمة قواعد القيد، بقدر ما يعكس طبيعة دورة حياة هذه الشركات واختلاف احتياجاتها التمويلية، إلى جانب وجود فجوة واضحة بين التقييمات التي تحصل عليها في جولات التمويل الخاصة والتقييمات التي يمكن أن تحصل عليها في السوق العامة.
أبوهند: الاستحواذات تتفوق على الاكتتابات العامة كمسار رئيسي لتخارج الشركات
وقال أيمن أبوهند، رئيس الاستثمار بشركة سجينيفيكا فينتشرز للاستثمار، إن غياب شركات التكنولوجيا عن البورصة المصرية لا يُعد ظاهرة استثنائية، موضحًا أن الإدراج في أسواق المال ليس المسار الرئيسي لتخارج الشركات الناشئة على مستوى العالم.
وأضاف أن أقل من 5% من الشركات الناشئة عالميًا تصل إلى مرحلة الطرح العام، بينما يكون السيناريو الأكثر شيوعًا هو الاستحواذ عليها من قبل شركات استراتيجية أكبر تعمل في القطاع نفسه.
وأوضح أن دورة حياة الشركات الناشئة تستغرق في المتوسط ما بين 6 و8 سنوات قبل الوصول إلى مرحلة التخارج، وقد تمتد إلى نحو 10 سنوات، وأغلب الشركات الناشئة التي شهدتها مصر انطلقت خلال موجة التمويلات الكبيرة في عامي 2021 و2022، وبالتالي فإن معظمها لم يصل بعد إلى المرحلة الزمنية المناسبة للإدراج أو التخارج.
وأشار أبوهند إلى أن سوق التخارج في مصر ما زال بطيئًا مقارنة بالأسواق الأخرى، لافتًا إلى أن بعض مؤسسي الشركات يضعون تقييمات مرتفعة تعرقل تنفيذ صفقات الاستحواذ، وهو ما يقلل من عدد التخارجات الناجحة.
وأضاف أن عدداً كبيراً من الشركات الناشئة المصرية نقل مقراتها القانونية إلى أسواق إقليمية للاستفادة من سهولة الوصول إلى المستثمرين وصناديق رأس المال المخاطر، وهو ما يجعل فرص إدراجها مستقبلاً في البورصة المصرية أقل مقارنة بما كان يمكن أن يحدث إذا استمرت هذه الشركات داخل السوق المحلية.
وأكد أن المستثمرين في الشركات الناشئة يختلفون عن غيرهم في البورصة، إذ إن شركات التكنولوجيا في مراحلها الأولى تعتمد بصورة أساسية على جولات التمويل ورأس المال المخاطر، بينما تستهدف البورصة شركات أكثر نضجًا واستقرارًا من حيث الإيرادات والربحية.
وأضاف أن العديد من الشركات الناشئة تتحمل جزءًا كبيرًا من مصروفاتها بالدولار، ما يجعل جمع التمويل بالجنيه المصري عبر سوق المال أقل جاذبية مقارنة بالحصول على تمويلات من مستثمرين استراتيجيين أو صناديق استثمار متخصصة.
شفيع: ندرة الأسهم التكنولوجية تعزز جاذبية الشركات المدرجة
من جانبه، قال مصطفى شفيع، رئيس قسم البحوث المالية بشركة أسطول القابضة، إن محدودية عدد شركات التكنولوجيا المقيدة لا تعكس ضعف اهتمام المستثمرين بهذا القطاع، موضحًا أن الشركات المدرجة حاليًا وفي مقدمتها فوري وإي فاينانس تحظى باهتمام كبير من المستثمرين، خاصة المؤسسات.
وأضاف أن إي فاينانس تعد الشركة الأكبر في نشاطها بالسوق المحلية، بينما نجحت فوري في بناء نموذج أعمال متنوع يتجاوز خدمات المدفوعات الإلكترونية إلى خدمات مالية وغير مصرفية متعددة، مع استمرارها في التوسع داخل السوق وخارجها.
وأشار إلى أن محدودية عدد الشركات العاملة في قطاع التكنولوجيا داخل البورصة تقلص الخيارات الاستثمارية المتاحة أمام المستثمرين، موضحًا أن الاهتمام الكبير بالشركات المدرجة يرجع أيضًا إلى ندرة الفرص المماثلة داخل السوق.
وأوضح شفيع أن شركات التكنولوجيا بطبيعتها تحتاج إلى استثمارات رأسمالية مرتفعة وتمويلات مستمرة لمواصلة النمو والتوسع، سواء عبر دخول مستثمرين جدد أو من خلال التمويل المصرفي وأدوات التمويل المختلفة، وهو ما يمثل أحد أبرز التحديات أمام القطاع.
وتوقع أن تشهد مصر نموًا تدريجيًا في قطاع التكنولوجيا خلال السنوات المقبلة، خاصة مع تنامي الاستثمارات في مراكز البيانات والبنية التحتية الرقمية، وهو ما قد يسهم في ظهور شركات تكنولوجية جديدة مؤهلة للنمو وربما للقيد في البورصة مستقبلًا.
“فوري” دليل على وجود شهية استثمارية لأسهم التكنولوجيا
ورغم محدودية عدد شركات التكنولوجيا المدرجة، فإن تجربة شركة فوري للمدفوعات الإلكترونية تظل أحد أبرز الأدلة على قدرة البورصة المصرية على استيعاب شركات التكنولوجيا عندما تصل إلى مرحلة مناسبة من النضج.
وشهد طرح الشركة في عام 2019 إقبالاً قويًا من المستثمرين، ليصبح أحد أنجح الطروحات التي شهدتها السوق المصرية خلال السنوات الأخيرة، كما تحول السهم إلى أحد أبرز الأسهم الجاذبة للمستثمرين في قطاع التكنولوجيا والخدمات المالية الرقمية.
ويرى محللون أن نجاح “فوري” لم يكن مرتبطًا فقط بكونها شركة تكنولوجية، وإنما بامتلاكها نموذج أعمال واضحًا وقاعدة عملاء واسعة ومعدلات نمو قوية، بما وفر للمستثمرين رؤية أكثر وضوحًا حول قدرتها على تحقيق عوائد مستقبلية.
كما أثبتت التجربة وجود طلب حقيقي داخل السوق المصرية على الاستثمار في شركات التكنولوجيا، عندما تتوافر عناصر النضج والقدرة على تحقيق نمو مستدام وربحية واضحة.
أحمد: المستثمر التقليدي ما زال يفضل الشركات المستقرة والأكثر ربحية
وقالت ولاء أحمد، رئيس قسم البحوث بشركة برايم لتداول الأوراق المالية، إن محدودية تمثيل شركات التكنولوجيا في البورصة المصرية لا ترجع إلى نقص في التشريعات أو قواعد القيد، وإنما إلى طبيعة دورة نمو هذه الشركات واحتياجاتها التمويلية.
وأضافت أن أغلب شركات التكنولوجيا المحلية لا تزال في مرحلة النمو السريع، وهو ما يجعلها أكثر احتياجًا لمستثمرين من صناديق رأس المال المخاطر وصناديق الملكية الخاصة بدلاً من المستثمر التقليدي في سوق الأوراق المالية.
وأوضحت أن المستثمر في البورصة المصرية يميل في الغالب إلى الشركات المستقرة التي تحقق أرباحًا منتظمة وتوفر توزيعات نقدية دورية، وهو ما لا يتوافق مع طبيعة شركات التكنولوجيا في مراحلها الأولى، إذ تركز على التوسع وزيادة حصتها السوقية وإعادة استثمار الأرباح لدعم النمو.
وأكدت أن شركات التكنولوجيا عادة ما تتجه إلى الطرح في البورصة بعد الوصول إلى مرحلة أكثر نضجًا واستقرارًا في أعمالها، عندما تصبح قادرة على جذب شريحة أوسع من المستثمرين.
وأشارت إلى أن السوق شهد بالفعل إدراج شركات تعمل في مجالات التكنولوجيا والخدمات المالية الرقمية مثل فوري وإي فاينانس وراية وڤاليو، وهو ما يعكس قدرة السوق على استيعاب هذا النوع من الشركات متى توافرت الشروط المناسبة للطرح.
وأضافت أن مستقبل قطاع التكنولوجيا في البورصة المصرية يعد واعدًا في ظل تسارع التحول الرقمي، والاعتماد المتزايد على تطبيقات الذكاء الاصطناعي، ونمو قطاع التكنولوجيا المالية، إلى جانب توسع جهود الشمول المالي.
السوق تترقب طرح “إم إن تي حالًا”
وتتجه أنظار المستثمرين حاليًا إلى شركة “إم إن تي حالًا” باعتبارها المرشح الأبرز لإعادة تنشيط ملف طروحات التكنولوجيا في البورصة المصرية خلال الفترة المقبلة.
وأشارت تقارير صحفية خلال الأشهر الماضية، نقلًا عن مصادر مطلعة، إلى أن الشركة تدرس خيارات تتضمن تنفيذ طرح عام أولي في البورصة المصرية، في خطوة قد تمثل أكبر طرح لشركة تكنولوجيا مالية محلية حال المضي قدمًا فيها.
ويحظى الطرح المحتمل باهتمام واسع داخل مجتمع الاستثمار، نظرًا للمكانة التي تحتلها الشركة في قطاع التكنولوجيا المالية، وكونها واحدة من أبرز قصص النمو في السوق المصرية خلال السنوات الأخيرة.
ويرى محللون أن نجاح أي طرح محتمل للشركة قد يمثل نقطة تحول مهمة في مسار قطاع التكنولوجيا داخل البورصة المصرية، ليس فقط بسبب حجم الشركة، وإنما لأنه قد يفتح الباب أمام شركات ناشئة أخرى للنظر إلى سوق المال باعتباره أحد خيارات التمويل والتخارج.
كما أن إدراج شركة بحجم «إم إن تي حالاً» قد يسهم في رفع الوزن النسبي لقطاع التكنولوجيا داخل البورصة المصرية، ويعزز من جاذبية السوق أمام المستثمرين المحليين والأجانب الباحثين عن فرص استثمارية مرتبطة بالاقتصاد الرقمي.
فراج: رأس المال المخاطر يمنح الشركات تقييمات أعلى من السوق العامة
من جانبها، قالت ندا فراج، المحلل المالي بشركة تيم لتداول الأوراق المالية والسندات، إن أزمة شركات التكنولوجيا في مصر لم تعد ترتبط بغياب نماذج أعمال ناجحة أو ضعف الطلب على الخدمات الرقمية، وإنما تكمن في محدودية قدرة سوق المال على استيعاب هذه الشركات وتقديم التقييمات التي تعكس إمكانات نموها.
وأشارت إلى أن البورصة المصرية تضم نماذج ناجحة في قطاع التكنولوجيا والخدمات المالية الرقمية مثل فوري وإي فاينانس وڤاليو، إلا أن عددها لا يزال محدودًا مقارنة بحجم التحول الرقمي الذي يشهده الاقتصاد المصري.
وأضافت أن شركات التكنولوجيا المصرية في مراحلها الأولى تفضل التمويل عبر صناديق رأس المال المخاطر أو المستثمرين الاستراتيجيين، نظرًا لاعتماد هذه الجهات على تقييمات تستند إلى فرص النمو المستقبلية وقابلية التوسع والحصة السوقية، وليس فقط إلى الأرباح الحالية.
وأكدت أن المستثمر في البورصة يتبنى معايير أكثر تحفظًا، إذ يركز على الربحية الواضحة والتدفقات النقدية والسيولة والعائد المتوقع للمساهمين، وهو ما يؤدي في كثير من الأحيان إلى خصم تقييمات الشركات سريعة النمو مقارنة بما تحصل عليه في جولات التمويل الخاصة.
وأوضحت أن هذا الواقع يحد من قدرة البورصة المصرية على جذب صناديق الاستثمار الأجنبية المتخصصة في التكنولوجيا، والتي تبحث عادة عن قطاع متكامل يضم شركات تعمل في مجالات متعددة مثل المدفوعات الرقمية والبرمجيات والذكاء الاصطناعي والتجارة الإلكترونية والخدمات السحابية.
وترى فراج أن تطوير بيئة إدراج شركات التكنولوجيا لا يتطلب فقط تعديلات في قواعد القيد، وإنما حزمة متكاملة من الحوافز تشمل مسارات إدراج أكثر مرونة للشركات الناضجة سريعة النمو، وتوفير صناع سوق لتعزيز السيولة، وتشجيع المستثمرين الرئيسيين على المشاركة في الطروحات، وتحسين التغطية البحثية، وتسهيل برامج أسهم العاملين.
وأضافت أن إلغاء ضريبة الأرباح الرأسمالية على تعاملات الأوراق المالية المقيدة واستبدالها بضريبة دمغة نسبية موحدة، إلى جانب الحوافز الضريبية للشركات المقيدة حديثًا، يمثل خطوة إيجابية نحو تحسين البيئة الاستثمارية وزيادة جاذبية سوق المال.
#فجوة #التقييمات #تعرقل #وصول #شركات #التكنولوجيا #إلى #البورصة #المصرية
➖➖➖➖➖➖➖➖➖➖
📡 المصدر : #جريدة_البورصة
➖➖➖➖➖➖➖➖➖➖


اترك تعليقاً