تحولت المخلفات التى طالما ارتبطت فى أذهان المواطنين بالمشكلات البيئية وتراكمات القمامة إلى مورد اقتصادى تتنافس الشركات على استغلاله، بعدما بدأت رحلة إعادة اكتشاف القيمة الكامنة داخل أكوام النفايات، وتحويلها من عبء يحتاج إلى التخلص منه إلى خامات تدخل فى صناعات متعددة ومصدر للطاقة البديلة.
ولم تعد القمامة مجرد مخلفات منزلية يجرى التخلص منها، بل أصبحت سوقاً يضم آلاف العاملين والمنشآت التى تتعامل مع ما تحتويه من مواد قابلة لإعادة الاستخدام، مثل البلاستيك والكرتون والورق والزجاج والمعادن، التى تمثل مدخلات إنتاج لمصانع التدوير وتفتح فرصاً استثمارية جديدة فى إطار الاقتصاد الدائرى.
ومع ارتفاع أسعار الخامات والطاقة عالمياً، زادت جاذبية الاستثمار فى تدوير المخلفات، بعدما أثبتت التجربة أن إعادة استخدامها يمكن أن تخفض تكاليف الإنتاج وتوفر بدائل محلية للوقود التقليدى، إلى جانب فتح أسواق جديدة لتصدير المنتجات المعاد تدويرها والاستفادة من عوائد الاقتصاد الأخضر.
وتسعى مصر إلى تعظيم الاستفادة من هذا القطاع، فى ظل إنتاج نحو 100 مليون طن من المخلفات سنوياً، وما يمثله ذلك من فرص استثمارية كبيرة تتطلب تطوير منظومة الجمع والفرز، وزيادة الاعتماد على التكنولوجيا الحديثة، ودمج العاملين بالقطاع غير الرسمى داخل المنظومة الرسمية.
ويرى مسئولون وخبراء تحدثوا لـ«البورصة» أن القطاع يمتلك مقومات تؤهله لزيادة مساهمته فى الاقتصاد، لكن تحقيق هذه المستهدفات يرتبط بتوسيع مشاركة القطاع الخاص، وتوفير التمويل، وتوطين التكنولوجيا، ورفع كفاءة منظومة إدارة المخلفات.
«عبدالله»: «البيئة» تستهدف رفع إعادة تدوير المخلفات البلدية إلى 60% بنهاية العام
قال ياسر عبدالله، رئيس جهاز تنظيم إدارة المخلفات بوزارة البيئة، إن الوزارة تستهدف رفع معدلات إعادة تدوير المخلفات البلدية إلى 60% بنهاية العام الجارى، ضمن خطة تطوير المنظومة المتكاملة لإدارة المخلفات.
وأضاف لـ«البورصة» أن كفاءة إعادة التدوير لم تكن تتجاوز 12% عند إطلاق المنظومة فى عام 2019، قبل أن ترتفع تدريجياً خلال السنوات الماضية، بما يعكس تطور البنية التنظيمية والاستثمارية للقطاع.
وأوضح أن مصر تنتج نحو 25 مليون طن من المخلفات البلدية سنوياً، بينما يصل إجمالى المخلفات المتولدة إلى نحو 100 مليون طن، مؤكداً أن الوصول إلى المستهدفات الجديدة يتطلب زيادة مساهمة القطاع الخاص فى إنشاء مصانع ومحطات الفرز والمعالجة والتدوير.
وأشار إلى أن تنفيذ مشروعات التدوير يحتاج عادة إلى فترة تتراوح بين عام وعامين حتى تدخل الخدمة، موضحاً أن الوزارة تعمل بالتوازى على تطوير منظومة الجمع والنقل والفرز، إلى جانب التوسع فى عمليات إعادة التدوير والتخلص الآمن من المخلفات غير القابلة للاستفادة، بما يرفع كفاءة المنظومة ويعزز جاذبية القطاع للاستثمار.
«السقا»: 200 شركة جديدة تنضم للقطاع.. وتعظيم القيمة قبل التصدير يضاعف العوائد
قال إيهاب فوزى السقا، رئيس شعبة تدوير المخلفات بغرفة الصناعات الكيماوية باتحاد الصناعات، إن الاقتصاد الدائرى أصبح نموذجاً اقتصادياً يخلق قيمة مضافة من الموارد التى كانت تُهدر سابقاً، وهو ما انعكس على زيادة اهتمام المستثمرين بالقطاع.
وأضاف أن شعبة تدوير المخلفات استقبلت نحو 200 عضو جديد خلال الفترة الأخيرة، ليرتفع عدد المصانع المسجلة إلى نحو 3300 مصنع، إلى جانب آلاف المنشآت العاملة فى القطاع غير الرسمى.
وأوضح أن غالبية الاستثمارات الحالية لا تزال محلية، مع بدء دخول استثمارات أجنبية، خاصة من الصين والهند، فى مجالات تدوير البلاستيك، وتجديد الإطارات، وإعادة تدوير المطاط والزيوت والمخلفات الزراعية.
وأشار إلى أن القطاع نجح فى تحويل عدد من المخلفات إلى خامات تدخل فى صناعات مختلفة، من بينها قش الأرز، ومولاس القصب، وأوراق الموز المستخدمة فى إنتاج كرتون البيض، بالإضافة إلى إعادة تدوير زيوت الطعام لإنتاج الزيوت الصناعية.
لفت إلى أن برامج تنفذها منظمات دولية، فى مقدمتها «يونيدو»، أسهمت فى دعم الاستثمار فى تدوير مخلفات الهدم والإلكترونيات والمخلفات الطبية.
وأضاف «السقا» أن ارتفاع تكاليف الشحن العالمية خلال السنوات الأخيرة عزز تنافسية المنتجات المصرية المعاد تدويرها، وفتح فرصاً أكبر للتصدير إلى الأسواق الأوروبية ودول الخليج، مستفيدة من انخفاض تكلفة النقل مقارنة بالأسواق الآسيوية.
وأكد أن تعظيم القيمة المضافة للمخلفات قبل تصديرها يحقق عائداً اقتصادياً أعلى مقارنة بتداولها فى صورتها الخام، وهو ما يتطلب التوسع فى عمليات التصنيع والتدوير محلياً.
ويمثل الوقود المشتق من المخلفات (RDF) أحد أبرز تطبيقات الاقتصاد الدائري، بعدما تحول إلى بديل اقتصادى للفحم والغاز الطبيعى فى عدد من الصناعات كثيفة الاستهلاك للطاقة، وعلى رأسها الأسمنت، فى ظل ارتفاع أسعار الوقود التقليدى وتقلبات أسواق الطاقة العالمية.
«عبدالنبى»: وقود المخلفات يخفض تكلفة الطاقة 35% ويعزز الاستفادة من شهادات الكربون
وقال الدكتور على عبدالنبى، استشارى الطاقة والبيئة، عضو مجلس الطاقة العالمى، إن وقود RDF يوفر للمصانع خفضاً فى تكلفة الطاقة يتراوح بين 15% و35% مقارنة بالفحم المستورد، رغم انخفاض قيمته الحرارية.
أوضح أن القيمة الحرارية للوقود المشتق من المخلفات تتراوح بين 2500 و4500 كيلو كالورى لكل كيلوجرام، مقابل 5500 إلى 6500 كيلو كالورى للفحم.
وأضاف أن الاعتماد على الوقود المنتج محلياً يحد من تأثر المصانع بتقلبات أسعار الصرف وارتفاع تكلفة استيراد الوقود، بما يمنحها قدراً أكبر من الاستقرار فى تكاليف الإنتاج.
وأوضح أن إنشاء خطوط إنتاج الوقود البديل يتطلب استثمارات رأسمالية فى عمليات الفرز والتجفيف والمعالجة الميكانيكية، لكن العائد الاقتصادى والبيئى يجعل هذه المشروعات مجدية على المديين المتوسط والطويل.
وأشار «عبدالنبى» إلى أن استخدام الوقود البديل يتيح أيضاً للشركات الاستفادة من أسواق الكربون، عبر خفض الانبعاثات وتحويل الالتزام البيئى إلى مصدر دخل إضافى من خلال بيع شهادات الكربون.
وقال إيهاب فوزى السقا، رئيس شعبة تدوير المخلفات بغرفة الصناعات الكيماوية، إن الوقود البديل أصبح يستخدم بالفعل فى عدد من مصانع الأسمنت، مدفوعاً بارتفاع أسعار الفحم والمازوت.
وأضاف أن النسبة الإرشادية لاستخدام الوقود البديل تبلغ نحو 15% من مزيج الطاقة، لكن بعض المصانع تجاوزت هذه النسبة مع تحسن توافر الوقود وانخفاض تكلفته، متوقعاً توسع استخدامه فى صناعات أخرى مع تطور التكنولوجيا وتحسين جودة المنتج.
من جانبها، قالت الدكتورة منار جمال، المحاضر والمستشار البيئى، إن التوسع فى إنتاج واستخدام وقود RDF لا يزال يواجه تحديات فنية، أبرزها ارتفاع نسب الرطوبة والشوائب بالمخلفات، ما يقلل من القيمة الحرارية للوقود مقارنة بالمواصفات العالمية.
وأضافت أن رفع كفاءة الوقود يتطلب الاستثمار فى خطوط فرز حديثة تعتمد على الفرم والمعالجة الميكانيكية الدقيقة، بما يسمح بإنتاج وقود أكثر استقراراً وكفاءة.
وأشارت إلى أن شعبة صناعة الأسمنت، بالتعاون مع غرفة صناعات مواد البناء، تعمل على دعم توطين التكنولوجيا الخاصة بإنتاج الوقود البديل، وتشجيع إنشاء خطوط إنتاج متطورة، إلى جانب التوسع فى التعاقدات طويلة الأجل بين مصانع الأسمنت وشركات التدوير لضمان استقرار الإمدادات والأسعار.
وطالبت بتقديم حوافز استثمارية للقطاع، تشمل إعفاءات جمركية وضريبية على خطوط الإنتاج، وتوفير أراضٍ صناعية بنظام حق الانتفاع، إلى جانب برامج تمويل تدعم مشروعات إنتاج الطاقة من المخلفات.
قال شحاتة المقدس، نقيب جامعى المخلفات، إن نجاح منظومة إعادة التدوير يبدأ من رفع كفاءة الجمع والفصل من المنبع، باعتبارهما الحلقة الأولى فى سلسلة إدارة المخلفات، مشيراً إلى أن العاملين بالقطاع غير الرسمى يمتلكون خبرات تراكمية فى فرز المخلفات واستعادة المواد القابلة لإعادة التدوير.
وأضاف أن المنظومة تجمع يومياً آلاف الأطنان من المخلفات المنزلية، ويُعاد توجيه الجزء الأكبر من المواد الصلبة إلى مصانع التدوير، بينما تذهب المخلفات العضوية إلى مسارات مختلفة للاستفادة منها، مؤكداً أن تعميم ثقافة الفصل من المنبع سيسهم فى رفع جودة الخامات وتقليل تكلفة الفرز داخل المصانع.
وطالب بإطلاق حملات توعية للمواطنين، إلى جانب دمج العاملين بالقطاع غير الرسمى داخل المنظومة الجديدة، بما يضمن الاستفادة من خبراتهم وتحسين كفاءة جمع المخلفات وزيادة الكميات القابلة لإعادة التدوير.
«عز الدين»: إعادة التدوير توفر 30% من تكلفة الإنتاج وتوطين التكنولوجيا مفتاح التوسع
وقال المهندس حسام عزالدين، مدير عام برنامج التحكم فى التلوث الصناعى، إن الاقتصاد الدائرى يحقق عائداً مباشراً للصناعة من خلال تقليل الاعتماد على الخامات الأولية وخفض تكلفة الإنتاج.
وأوضح أن إعادة تدوير المخلفات يمكن أن توفر ما بين 25% و30% من تكاليف العملية الصناعية، عبر إعادة استخدام المخلفات كمدخلات إنتاج بدلاً من تحمل تكلفة التخلص منها.
وأضاف أن التكنولوجيا أصبحت عنصراً رئيسياً فى تطوير القطاع، سواء فى إنتاج الوقود البديل أو توليد الكهرباء من المخلفات، مؤكداً أن توطين هذه التقنيات يمثل أحد المحاور الرئيسية لتعزيز تنافسية الصناعة المصرية.
وأشار إلى أن استثمارات إعادة تدوير المخلفات البلاستيكية وحدها تراوحت بين مليار ومليارى جنيه، فيما بلغ إنتاج البلاستيك المعاد تدويره نحو 1.5 مليون طن خلال عام 2024، وفقاً لبيانات مركز المعلومات ودعم اتخاذ القرار.
ويرى «عبدالنبى» أن العائد الاقتصادى لا يقتصر على خفض تكلفة الطاقة، بل يمتد إلى الاستفادة من سوق شهادات الكربون، التى تتيح للشركات تحقيق إيرادات إضافية مقابل خفض الانبعاثات.
وأضاف أن السوق الطوعى لتداول شهادات الكربون، الذى أطلقته البورصة المصرية، يمثل خطوة مهمة نحو دمج الشركات المحلية فى الأسواق العالمية، خاصة مع إمكانية ربطه مستقبلاً بالسجلات الدولية، بما يدعم تدفقات النقد الأجنبى ويعزز مساهمة الاقتصاد الأخضر فى ميزان المدفوعات.
#القمامة. #كنز #اقتصادى #تحت #الطلب
➖➖➖➖➖➖➖➖➖➖
📡 المصدر : #جريدة_البورصة
➖➖➖➖➖➖➖➖➖➖


اترك تعليقاً