المصافي تسحب من المخزونات بعدما عالجت كميات تفوق الإمدادات خلال مايو
كما سبق أن كتب خافيير بلاس، فإن التراجع الحاد في شهية الصين على النفط كان على الأرجح، العامل الأهم الذي حافظ على توازن سوق الخام منذ إغلاق مضيق هرمز.
ويزداد هذا اللغز غموضاً بسبب الصورة السائدة عن الصين باعتبارها سوقاً شديدة التكتم وقليلة الشفافية.
فهل كانت الحكومة تضخ كميات من مخزونات استراتيجية مخفية تحت الأرض؟ أو ربما كانت تشغّل مصانع كيماوية سرية؟
غير أن التمعّن في وفرة البيانات المتاحة يكشف عن تفسير أقل إثارة.
فالمعلومات المعلنة والمؤشرات على اقتراب الطلب من بلوغ ذروته التي يلفت إليها المحللون منذ سنوات، تفسّر إلى حد كبير التراجع البالغ نحو خمسة ملايين برميل يومياً في مايو.
السيارات الكهربائية في الصين
ليس خافياً أن سوق السيارات والشاحنات في الصين تشهد انتقالاً متسارعاً نحو البطاريات.
فقد تراجعت مبيعات السيارات التقليدية خلال الاثني عشر شهراً الماضية، إلى أدنى مستوياتها منذ عام 2010، في حين أن أكثر من 60% من السيارات المباعة في مايو جاءت مزودة بقابس للشحن الكهربائي.
وكانت مجموعة “روديوم” الاستشارية قدّرت العام الماضي، أن هذا التحول سيغني عن نحو 670 ألف برميل يومياً خلال الاثني عشر شهراً المنتهية في مايو.
هذه الأرقام قد تكون أعلى حتى في الحقيقة، إذ يرى الاقتصاديون عادةً أن السائقين لا يغيرون سلوكهم كثيراً ربطاً بأسعار النفط، لكن هذه الافتراضات لا تأخذ بعين الاعتبار صعود المركبات الكهربائية.
فمن يمتلك سيارة هجينة قابلة للشحن أو يمتلك سيارة تقليدية وأخرى كهربائية، يستطيع الانتقال فوراً إلى القيادة الكهربائية عندما تصبح كلفة البنزين مرتفعة.
كما أن الانتشار الكبير لسيارات الأجرة الكهربائية رخيصة الثمن في الصين يقدم بديلاً جذاباً، بحسب ما نقلته وكالة أنباء “بلومبرج”.
تؤكد بيانات شحن المركبات الكهربائية هذا التحول المتسارع.
فقد ارتفع حجم الشحن عبر المحطات العامة في أبريل بنسبة 17% مقارنة بالشهر السابق، ليصل إلى 10.38 تيراوات في الساعة، وهو مستوى يوازي تقريباً إجمالي استهلاك الكهرباء في هولندا.
وعند احتساب الشحن المنزلي، الذي يمثل الجزء الأكبر من عمليات شحن المركبات الكهربائية، يُقدَّر أن الزيادة مقارنة بالعام الماضي بلغت نحو 8 تيراوات في الساعة، وهو ما يعادل استهلاك نحو 800 ألف برميل يومياً من النفط.
وتعزز هذه التقديرات مؤشرات أخرى، إذ بلغ تراجع إنتاج البنزين والديزل في أبريل، مقارنة بمتوسط السنوات الثلاث السابقة، نحو 790 ألف برميل يومياً، وهو رقم يكاد يتطابق مع حجم الطلب الذي أزاحه التحول إلى المركبات الكهربائية.
كلمة واحدة: البلاستيك
لنلقِ نظرة الآن على قطاع البتروكيماويات.
فكما كُتب سابقاً، اتجهت المصافي الصينية بقوة خلال السنوات الأخيرة إلى زيادة إنتاج البوليمرات، مثل البولي إيثيلين، في محاولة للتكيف مع التراجع المتوقع في الطلب على الوقود المستخدم في قطاع النقل.
أدى هذا التحول إلى فائض كبير في السوق العالمية، وهدد عمل مصانع البتروكيماويات من تايلاند إلى أوروبا.
ثم في مارس، أدى إغلاق مضيق هرمز إلى تعطل إمدادات النافثا، وهي مادة شبيهة بالبنزين وتُعد اللقيم الأساسي لهذه الصناعات.
قفزت بالتالي أسعارها في اليابان إلى أكثر من الضعف، ما تسبب في نقص أكياس البلاستيك ودفع بعض الشركات إلى الاكتفاء بعبوات أحادية اللون لمنتجاتها، منها مثلاً رقائق الروبيان المقرمشة.
ووصل الأمر ببعض المصانع الآسيوية إلى أن تكبدت خسائر تجاوزت 500 دولار عن كل طن من المواد الأولية البلاستيكية التي تنتجها.
وكان من الطبيعي أن يتراجع الطلب نتيجة لذلك.
فقد هبط إنتاج البلاستيك الأولي في الصين خلال أبريل بأسرع وتيرة مسجلة على الإطلاق، متراجعاً بنحو 1.6 مليون طن في شهر واحد فقط.
وبمقاييس سوق النفط، يُعد هذا التراجع ضخماً للغاية، إذ يُرجَّح أنه يعادل نحو 700 ألف برميل يومياً من الطلب النفطي.
كما أن طبيعة صناعة الكيماويات في الصين تشهد تحولاً هي الأخرى.
فقد أصبح الإيثان، وهو منتج ثانوي غازي ناجم عن طفرة النفط الصخري الأمريكي، واحداً من أكثر السلع تداولاً بين البلدين في الآونة الأخيرة.
يمكن إنتاج كمية من البولي إيثيلين من برميل واحد من الإيثان تعادل ثلاثة أضعاف ما يمكن إنتاجه من برميل نافثا، ما يمنح هذه التجارة المزدهرة تأثيراً يفوق حجمها بكثير.
وتشير التقديرات إلى أن الزيادة في الصادرات الأمريكية من الإيثان إلى الصين خلال مارس وحده ربما خفضت الطلب على النفط بنحو 330 ألف برميل يومياً إضافية.
التجارة والمخزونات
استند المشككون في فرضية بلوغ الطلب الصيني على النفط ذروته إلى استمرار قوة استهلاك البلاد للخام خلال عام 2025.
فبحسب منظمة البلدان المصدرة للبترول (أوبك)، ارتفع الطلب بنحو 210 آلاف برميل يومياً، وهو ما يعادل تقريباً إجمالي نمو الطلب في أفريقيا كلها، أو ما يقارب ضعف النمو المسجل في جميع الدول المتقدمة مجتمعة.
لكن جانباً كبيراً من هذه الزيادة يعود ببساطة إلى تكوين المخزونات الاستراتيجية.
فخلال عامي 2024 و2025، ضخت الصين أو استوردت كميات من النفط تزيد بنحو 1.4 مليون برميل يومياً على ما عالجته مصافيها.
ربما يكون جزء من هذا الفارق ناتجاً عن خلل إحصائي، إلا أن تقديرات إدارة معلومات الطاقة الأمريكية تشير هي الأخرى إلى فائض يبلغ نحو 1.1 مليون برميل يومياً.
انقلب هذا المسار في مايو للمرة الأولى منذ سنوات.
فقد عالجت المصافي كميات من النفط تفوق الإمدادات المتاحة بنحو 500 ألف برميل يومياً.
وبذلك، قد يصل حجم التحول من بناء المخزونات إلى السحب منها إلى نحو 1.9 مليون برميل يومياً.
كما أسهمت التجارة في هذا التغيير.
ففي العام الماضي، صدرت الصين نحو 1.2 مليون برميل يومياً من المنتجات النفطية المكررة، مثل البنزين والديزل ووقود الطائرات.
لكن القيود التي فرضتها الحكومة منذ اندلاع الصراع قلّصت هذه الصادرات بصورة حادة.
وتراجعت صادرات البنزين في أبريل إلى أدنى مستوى مسجل على الإطلاق، ما يفسّر انخفاضاً إضافياً في الطلب على النفط بنحو 385 ألف برميل يومياً.
نهاية التخمة
عند جمع هذه العوامل كافة، إضافة إلى البيانات الرسمية المتعلقة بإنتاج وقود الطائرات والأسفلت، يصل حجم تراجع الطلب إلى نحو 4.6 مليون برميل يومياً، وهو رقم يتطابق تقريباً مع الانخفاض البالغ 4.7 مليون برميل يومياً في واردات النفط خلال الشهر الماضي.
قد تبدو هذه الأرقام مرتبة أكثر من اللازم.
فاحتساب براميل النفط نادراً ما يفسّر كل التفاصيل، كما أن من المرجح وجود بعض الازدواجية في احتساب الأرقام.
لذا ينبغي التعامل معها على أنها تقديرات تقريبية، لا حصراً دقيقاً لكل جزيء هيدروكربوني.
ومع ذلك، إن كنت قد تبنيت توقعات “أوبك” و”إكسون موبيل” التي تفترض استمرار نمو الطلب الصيني على النفط خلال ثلاثينات هذا القرن وما بعدها، ستجد صعوبة في تفسير كيف تجاوزت الصين إغلاق المضيق من دون اضطرابات تُذكر.
أما إن أخذت بتحذيرات شركات النفط الحكومية الصينية من اقتراب الطلب من بلوغ ذروته، فلن يفاجئك ما يحصل اليوم.
لا داعي للبحث عن تفسيرات خفية في الاقتصاد الصيني لفهم كلّ ما شهدناه خلال الأشهر الماضية.
فالطلب الصيني على النفط بلغ ذروته بالفعل، والأشهر الأخيرة من الصراع كانت أول مؤشر واضح إلى الطريقة التي سيتراجع بها الطلب في المستقبل.
#هل #انتهى #عصر #نمو #النفط #فى #الصين
➖➖➖➖➖➖➖➖➖➖
📡 المصدر : #جريدة_البورصة
➖➖➖➖➖➖➖➖➖➖

اترك تعليقاً