قد لا يكون مستغربا، أن تسارع الدول الآسيوية المعرّضة للمخاطر بسبب حرب إيران، إلى تركيب محطات الطاقة الشمسية بأقصى سرعة ممكنة.
أما إيران نفسها فلا تبدو مرشحة لهذا المسار للوهلة الأولى.. غير أن ذلك قد يكون على وشك أن يتغير.
مدفوعة بدعم حكومي للمنتجات النفطية وبنزين لا تتجاوز تكلفته 10 سنتات للجالون، لم تُبدِ الدولة السادسة عالمياً من حيث حجم الانبعاثات اهتماماً يُذكر بالطاقة النظيفة أو بالتصدي لظاهرة الاحتباس الحراري.
وهي واحدة من 3 دول فقط، إلى جانب ليبيا واليمن، لم تصادق قط على اتفاقية باريس للمناخ.
طموح الطاقة الشمسية
رغم ذلك، قد تصبح إيران قريباً واحدة من أكبر أسواق الطاقة الشمسية الكهروضوئية نمواً في العالم.
ولا يتعارض هذا الطموح مع سعيها إلى ضخ مزيد من النفط الخام في مرحلة ما بعد الحرب، بل إن مستقبل قطاع النفط الإيراني قد يعتمد على استعدادها للشروع في توسع سريع للغاية في بناء مشروعات الطاقة الشمسية.
لفهم السبب، ينبغي النظر إلى ما يجعل الحقول النفطية الإيرانية مختلفة. فعلى الورق، تمتلك إيران رابع أكبر احتياطيات نفطية في العالم، لكن هذه الاحتياطيات قديمة وفي طبقات متشققة بسبب طبيعة جيولوجية جبلية كثيرة الصدوع، ما يجعل إدارتها أكثر صعوبة بكثير مقارنة بالحقول العملاقة في الدول المجاورة.
ويتطلب استخراج آخر الكميات الممكنة من النفط، استخدام تقنيات متقدمة، أبرزها إعادة ضخ الغاز الطبيعي إلى باطن الأرض لزيادة الضغط ودفع النفط الخام نحو السطح.
وتُعد المتطلبات ضخمة للغاية.
فمجرد الحفاظ على مستويات الإنتاج الحالية من الحقول القائمة يحتاج إلى نحو 110 مليارات متر مكعب من الغاز سنوياً، وهو ما يعادل إجمالي استهلاك الهند وباكستان مجتمعين خلال عام كامل.
وخلال السنوات الأخيرة، لم تتمكن إيران سوى من تحقيق 10% من هذا الهدف، وإذا لم يتغير ذلك قريباً، فإن الحقول النفطية قد تتعرض لأضرار دائمة.
وعندها ستتحول البلاد من منتج يشبه السعودية، يتمتع بحقول نفطية ضخمة ومنخفضة التكلفة، إلى وضع أقرب إلى المملكة المتحدة أو المكسيك، حيث يتطلب استخراج البراميل من حقول آخذة في النضوب، إنفاقاً مرتفعاً.
توليد الكهرباء
ومن خلال استبدال الغاز المستخدم حالياً في توليد الكهرباء وتوفير كميات أكبر منه لاستخدامها في تعزيز استخراج النفط، يمكن للطاقة الشمسية أن تحدث فرقاً حقيقياً. وتستخدم إيران حالياً نحو 79 مليار متر مكعب من الغاز سنوياً لإنتاج الكهرباء، وحتى هذا الحجم لا يكفي لتلبية الاحتياجات.
فمنذ عام 2024، تواجه البلاد أزمة كهرباء متواصلة تتجسد في انقطاعات مزمنة للتيار الكهربائي، وتوقف المصانع، ولجوء المدارس والمكاتب إلى العمل عن بُعد لتوفير الكهرباء.
ولمعالجة هذه المشكلة، تضاعفت قدرات الطاقة المتجددة 4 مرات خلال العامين الماضيين لتصل إلى 5 جيجاوات، وتستهدف إيران رفعها إلى 30 جيجاوات بحلول 2028. وفي هذا الصدد، تسير على خطى جارتيها باكستان والسعودية.
فقد أضافت باكستان ما يقرب من 50 جيجاوات منذ 2021 مع سعي المستخدمين إلى إيجاد بديل لشبكة كهرباء متهالكة، أما السعودية فتستهدف الوصول إلى 130 جيجاوات بحلول 2030 لضمان تصدير أكبر قدر ممكن من النفط الخام بدلاً من استهلاكه محلياً.
وإذا تحولت إيران إلى الطاقة النظيفة، فسيكون بإمكانها إصلاح شبكتها الكهربائية المتداعية، وفي الوقت نفسه تحرير كميات هائلة من الغاز للحفاظ على إنتاج حقولها النفطية، ويمكن لأسطول من محطات الطاقة الشمسية بحجم ما تستهدفه السعودية أن يوفر ما يقرب من 3 أرباع الطلب على الكهرباء.
وكلما زادت قدرات الطاقة المتجددة التي تربطها إيران بالشبكة، زادت قدرتها على توجيه الغاز إلى استخدامات أعلى قيمة، مثل تعزيز استخلاص النفط وإنتاج الأسمدة والأنشطة الصناعية.
تراجع النفط
سيُمثل ذلك تحدياً للأفكار الراسخة التي تفترض تفوق الوقود الأحفوري، لكن الدول المصدرة للنفط في عام 2026 تحتاج إلى مواجهة حقيقة أن السوق الخاص بمنتجها الرئيسي يشهد تراجعاً.
ولذلك يصبح الحفاظ على انخفاض تكاليف الإنتاج على المدى الطويل أمراً ضرورياً، لأن المنتجين الأعلى تكلفة سيكونون أول من يخرج من السوق خلال العقود المقبلة.
وتتمتع إيران ببعض أفضل احتياطيات النفط الخام والغاز الطبيعي في العالم، لكنها تحتاج إلى الاستثمار الآن إذا كانت لا تريد فقدان هذه الميزة.
ولا أحد يستطيع الجزم بمدى نجاح المفاوضات الرامية إلى إنهاء الصراع في منح إيران إعفاءً كاملاً من العقوبات، أو مدى سهولة الوصول إلى صندوق إعادة الإعمار بقيمة 300 مليار دولار والمقترح في مذكرة التفاهم، لكن معظم السيناريوهات تشير إلى أن الطاقة الشمسية تمثل إحدى أفضل الوسائل لإحياء اقتصاد يعاني من التدهور.
فإذا رُفعت العقوبات، فإن الجمع بين الطاقة الشمسية وإعادة حقن الغاز في الحقول النفطية سيكون أسرع وأقل تكلفة لإعادة بناء قطاع نفطي يحتاج بشدة إلى الإصلاح.
أما إذا استمرت القيود المالية الأمريكية الصارمة، فإن المزايا تصبح أكبر؛ إذ يمكن مبادلة الألواح الشمسية الصينية بالنفط الإيراني من دون الحاجة إلى التعامل بالدولار، كما يمكن تركيبها من دون الخبرات الدولية المتخصصة اللازمة لتحديث البنية التحتية النفطية المتقادمة.
وربما يشعر قادة طهران بالثقة بعد الطريقة التي تفوقوا بها على الولايات المتحدة الأمريكية في هذه الحرب، لكن البلاد مازالت تواجه تهديداً ثلاثياً يلوح في الأفق: ديموغرافياً نتيجة شيخوخة السكان، وجيولوجياً مع تراجع إنتاجية الحقول النفطية عاماً بعد عام، واقتصادياً مع اتجاه الطلب على النفط إلى انخفاض بشكل مستمر، ولا يوجد وقت لإضاعته، فإيران بحاجة إلى الانضمام إلى ثورة الطاقة المتجددة التي تجاهلتها لفترة طويلة للغاية.
#ديفيد #فيكلينج #يكتب #الطاقة #الشمسية #رهان #إيران #لإنقاذ #النفط #والاقتصاد
➖➖➖➖➖➖➖➖➖➖
📡 المصدر : #جريدة_البورصة
➖➖➖➖➖➖➖➖➖➖



اترك تعليقاً