لا يكاد يمر يوم دون أن أتلقى سؤالاً حول مستقبل أسعار العقار في مصر، وما بين اللعنات والغضب والابتسامة الخفية تكون ردود الأفعال حول ردي بأنها لن تقل، بل ستزيد حتماً. هذا المشهد لم يحدث اليوم فقط، ولكنه متواصل منذ حوالي خمس سنوات، ولسان حالي يقول لمن يسألني: هل تغيرت إجابتي في أي مرة سألتني فيها منذ سنين؟ هل كانت توقعاتي خاطئة في أي مرة؟ هل سبق ألا تزيد أسعار العقار؟
دعونا نتفق على أن تسعير العقار في مصر يتم بصورة عشوائية في أغلب الحالات؛ فمع تغير تركيبة المطورين في السوق العقاري، لم يعد المطورون ذوو الخبرة هم من يقودون السوق، بل أصبح المضاربون والدخلاء والطامعون في المكاسب السريعة هم من يشكلون الكتلة الحرجة التي تساهم في تحريك وتوجيه الأسواق.
المضاربة والمنافسة غير العادلة، وأحياناً الجشع وعدم الخبرة، أصبحت هي المعايير الرئيسية في تسعير العقار. لا أستطيع وضع معايير العرض والطلب، أو التكلفة المباشرة، أو تكلفة الاستثمار وأعباء الأقساط كمعايير رئيسية لتسعير العقار عند غالبية المطورين الجدد، بينما يمتلك المطورون الأوائل رصيداً من الخبرة المتراكمة تمكنهم من وضع أسعار تناسبهم وتضمن لهم الربح والتنافسية بناءً على تاريخهم في السوق.
دفعتني هذه العشوائية إلى البحث عن أي نسق أو نمط أستطيع به تحليل وفهم الأسعار على مدار الـ 25 سنة الماضية، وما الذي يضفي على العقار في مصر قيمته وثباته النسبي كمخزن للقيمة عند أغلبية الشعب المصري.
أولاً، من التحليل المستمر لآليات العرض والطلب في السوق، وكذلك الأبعاد الاجتماعية للشعب المصري وتفضيل الأغلبية للتمليك على الإيجار بصورة عامة، مع وجود عجز شديد في أغلب فئات الإسكان -ما عدا الإسكان الفاخر- فإن هذه المعطيات تدعم ثقة المصريين في العقار بصورة عامة.
هل يرتبط سعر العقار بالدولار؟
سنة 2000 كان متوسط سعر العقار 650 جنيهاً للمتر، بما يساوي 192 دولاراً تقريباً، واستمر في الصعود بصورة متواصلة إلى أن أصبح سعر المتر مقيماً بالدولار يتعدى الـ 1200 دولار تقريباً في 2025، ويتعدى الآن حاجز الـ 1700 دولار للمتر.
إذن، سعر الدولار يزيد وسعر المتر بالدولار أيضاً يزيد؛ لو كان سعر المتر بالدولار ثابتاً كنا نستطيع أن نربط سعر العقار بالدولار، فعندما تنخفض قيمة الجنيه يرتفع العقار بنسبة مرتبطة بالدولار.
مثلاً: إذا كان سعر المتر يساوي 1200 دولار، فسيكون في 2014 بـ 8500 جنيه للمتر، وفي 2016 بـ 18800 جنيه للمتر، وفي 2020 بـ 36 ألف جنيه للمتر. بينما في الحقيقة، سعر المتر في 2014 كان تقريباً 770 دولاراً، وأصبح 990 دولاراً في 2020؛ لذا لا نستطيع أن نجد نمط ربط مباشر إحصائياً بين سعر متر العقار والدولار (يوجد ربط غير مباشر من خلال التكلفة وقيمة التضخم العام).
المفاجأة كانت في “الذهب”
كانت المفاجأة في وجود هذا النمط مع الذهب؛ فسعر متر العقار في سنة 2000 كان يساوي 18.6 جرام ذهب عيار 21 (الذي كان سعره 35 جنيهاً تقريباً)، واستمر سعر المتر في التذبذب حول حدود 17 إلى 20 جراماً، ثم يصل إلى حدود 16 جراماً للمتر. إذن يمكننا أن نجد نمطاً بين سعر العقار وسعر الذهب، وهو تقريباً ثبات سعر متر العقار في حدود 16 إلى 20 جرام ذهب للمتر.
في 2025، إذا كان متوسط سعر المتر 60 ألف جنيه، فإنه كان يساوي تقريباً 13.8 جرام ذهب للمتر، وهو تقريباً نفس سعر سنة 2012 وأقل من المتوسط العام. أما في 2026، ومع وصول سعر جرام الذهب عيار 21 إلى ما يزيد عن 7000 جنيه، فمن المتوقع أن يصل سعر المتر المربع إلى 85 ألف جنيه حتى يحافظ على نفس قيمة السنة الماضية، وأن يصل إلى 100 ألف جنيه حتى يحافظ على المتوسط العام الذي يصل إلى 16 جرام ذهب لكل متر مربع.
هذا الربط لا يشكل نمطاً أو معياراً للمطورين عند تسعير عقاراتهم، وهذا شيء مؤكد عملياً؛ حيث لا يقارن أي مطور سعر العقار بالذهب، ولكن هذا الربط يفسر قيمة العقار عند المجتمع المصري حيث ارتبط نفسياً ومادياً بالذهب.
ومن خلال تجارب الناس البسيطة، من اشترى عقاراً في سنة 2000 حافظ على قيمة أمواله مثل الذهب تماماً، بل يتميز العقار بميزة نسبية تتفوق على صعوبة “تسييله” وهي الأقساط؛ فدفع 15% أو 20% فقط من سعر العقار كفيل بتثبيت قيمة استثماراته وتكملتها على 10 سنوات، بينما الذهب يجب أن تمتلك قيمته كاملة.
يرى أغلبية المصريين أن العقار مثل الذهب، وسواء كان ذلك عن وعي بالعائد على الاستثمار أو بمجرد الفطرة، فلا يزال العقار يشكل الملاذ الآمن. وأستطيع أن أسمي العقار في مصر “Gold Estate” وليس “Real Estate”؛ العقار في مصر ليس مجرد استثمار، بل هو وسيلة للتحوط من الفقر.
وأعتقد أنه سيظل كذلك مالم تحدث صدمات عنيفة في السوق تهز هذه الصورة، مثل تعثر المطورين الأقل خبرة في ظل الفوضى الحالية وعدم وجود آلية موحدة لتنظيم السوق العقاري. نحن نمتلك سوقاً عقارياً مميزاً وقوياً يدفعه احتياج حقيقي، لكنه يحتاج إلى تنظيم وإعادة هيكلة شاملة تحميه من التذبذب وتجعله أكثر صلابة في مواجهة المخاطر الجيوسياسية والاقتصادية.
#محمد #مصطفى #القاضى #العقار #في #مصر. #أكذوبة #أم #حقيقة
➖➖➖➖➖➖➖➖➖➖
📡 المصدر : #جريدة_البورصة
➖➖➖➖➖➖➖➖➖➖


اترك تعليقاً