هل تدفع التكاليف المرتفعة الشركات نحو التأجير التمويلي؟

لم تعد الضغوط الجيوسياسية مجرد عامل خارجي عابر، بل تحولت إلى عنصر حاسم يعيد تشكيل قرارات الاستثمار والتمويل داخل الشركات، خاصة الصناعية منها، في ظل ارتفاع ملحوظ في تكاليف التشغيل المرتبطة بأسعار الطاقة والخامات وسلاسل الإمداد.

وفي قلب هذا المشهد، تبرز التساؤلات: هل تدفع هذه التكاليف المتزايدة ، الشركات إلى التوسع في الاعتماد على التأجير التمويلي كأداة لتخفيف الأعباء التمويلية؟ أم أن الضبابية الحالية تعرقل هذا التوجه وتدفع نحو التريث؟

التكاليف المرتفعة تضغط.. لكن الحذر يسيطر

شهدت الفترة الأخيرة تصاعدًا في تكاليف التشغيل للمصانع والشركات، مدفوعة بالتوترات الجيوسياسية التي ألقت بظلالها على أسعار الطاقة وسلاسل التوريد، ما انعكس بشكل مباشر على خطط التوسع والاستثمار.

ورغم أن هذا الواقع من المفترض أن يعزز من جاذبية أدوات تمويل بديلة مثل التأجير التمويلي.. إلا أن حالة عدم اليقين بشأن اتجاهات الاقتصاد الكلي، خاصة التضخم وأسعار الفائدة، تقف كحاجز أمام انطلاقة قوية للنشاط.

اقرأ أيضا: شبح التضخم يعيد تشكيل قطاع التمويل الاستهلاكي

قال أشرف حنفي، المدير التنفيذي للاتحاد المصري للتأجير التمويلي، إن حالة الضبابية التي تسيطر على السوق حاليًا انعكست بشكل مباشر على قرارات الاستثمار والتمويل لدى الشركات، موضحًا أن ارتفاع التكاليف لم يكن كافيًا وحده لدفع الشركات نحو التوسع في التمويل، في ظل غياب رؤية واضحة بشأن تكلفة الأموال خلال الفترة المقبلة.

أضاف أن العديد من الشركات فضلت التريث وتعليق خطط التوسع، انتظارًا لاستقرار الأوضاع، خاصة أن اتخاذ قرار تمويلي في بيئة غير مستقرة قد يضاعف من المخاطر، بدلًا من تخفيفها.

بداية قوية للعام.. وانتكاسة بفعل المتغيرات

رغم الأجواء الحالية، فإن القطاع كان قد بدأ العام بأداء إيجابي، مستفيدًا من تراجع أسعار الفائدة خلال الفترات السابقة، وهو ما انعكس على زيادة الإقبال على التمويل لشراء الأصول الإنتاجية. إلا أن هذا الزخم لم يستمر طويلًا، مع عودة الضغوط الخارجية وارتفاع درجة عدم اليقين.

وتشير البيانات إلى تراجع عدد عقود التأجير التمويلي خلال يناير الماضي إلى 184 عقدًا مقابل 191 عقدًا في يناير 2025، بمعدل انخفاض 3.7%، في حين ارتفعت قيمة العقود إلى 15 مليار جنيه مقارنة بـ10.4 مليار جنيه، بمعدل نمو 43.4%، وهو ما يعكس اتجاهًا نحو صفقات أكبر حجمًا، رغم تراجع عدد العمليات.

واستحوذ القطاع العقاري على النصيب الأكبر من النشاط بنسبة 69.75%، يليه قطاع الآلات والمعدات بنسبة 14.86%، ثم سيارات النقل بنسبة 8.09%، فيما توزعت النسب المتبقية على قطاعات الإنتاج والأجهزة المكتبية والسيارات الملاكي.

التأجير التمويلي كبديل.. ولكن بشروط

من جانبه، قال خالد سرحان، العضو المنتدب لشركة إنكوليس للتأجير التمويلي، إن ارتفاع أسعار الفائدة ينعكس بشكل مباشر على تكلفة التمويل داخل القطاع، نظرًا لاعتماد الشركات بشكل رئيسي على الاقتراض من البنوك، وهو ما يجعل أي زيادة في تكلفة الاقتراض تنتقل تلقائيًا إلى العميل النهائي.

وأوضح أن ارتفاع التكاليف التشغيلية قد يدفع بعض الشركات بالفعل إلى البحث عن حلول تمويلية مرنة، مثل التأجير التمويلي، خاصة في تمويل الأصول الإنتاجية دون تحمل أعباء الشراء المباشر، إلا أن هذا التوجه يظل مرهونًا بقدرة العملاء على السداد، والتي تتأثر بدورها بظروف السوق.

وأشار إلى أن المنافسة مع البنوك ليست مباشرة، نظرًا لاختلاف طبيعة المنتجات التمويلية، لافتًا إلى أن التأجير التمويلي يوفر مزايا خاصة في التمويل متوسط الأجل، لكنه أكد أن الشركات لا تزال تتحرك بحذر في ظل البيئة الحالية.

قيود تمويلية تدفع نحو التوريق

لفت سرحان إلى أن القيود المرتبطة بنسب التسهيلات البنكية تمثل أحد التحديات أمام توسع شركات التأجير التمويلي، خاصة في ظل الحدود التي وضعها البنك المركزي لتمويل هذا النشاط، وهو ما يدفع الشركات إلى البحث عن بدائل مثل التوريق لتوفير السيولة اللازمة للنمو.

وكان البنك المركزي المصري قد حدد سقف تمويل البنوك لشركات التأجير التمويلي، بحيث لا يتجاوز إجمالي التسهيلات الائتمانية والاستثمارات في محافظ التوريق نسبة 5% من إجمالي محفظة القروض بالبنك، وبحد أقصى 1% لشركة واحدة، وهي حدود تهدف إلى ضبط المخاطر، لكنها في الوقت نفسه تقيد قدرة الشركات على التوسع السريع.

الطلب بين محفزات التكلفة وكوابح الضبابية

وقال محمد نادر، العضو المنتدب لشركة أرتشر للتأجير التمويلي، إن العلاقة بين ارتفاع التكاليف وزيادة الطلب على التأجير التمويلي ليست خطية، موضحًا أن الضغوط التشغيلية قد تدفع بعض الشركات إلى البحث عن حلول تمويلية، لكنها في الوقت نفسه قد تدفع شركات أخرى إلى تأجيل قرارات الاستثمار بالكامل.

أوضح أن غياب الرؤية الواضحة بشأن مسار التضخم وأسعار الفائدة يزيد من حالة الترقب، ويجعل الشركات أكثر تحفظًا في اتخاذ قرارات تمويلية طويلة الأجل، حتى وإن كانت تواجه ضغوطًا في التكاليف.

وأشار إلى أن الفترة الماضية شهدت تحسنًا نسبيًا في الطلب، مدعومًا باستقرار سعر الصرف وتراجع أسعار الفائدة، ما شجع بعض الشركات على التوسع في شراء المعدات وخطوط الإنتاج، قبل أن تعود حالة الحذر مجددًا مع تصاعد التوترات.

ارتباط وثيق بدورات الاقتصاد

أكد نادر أن قطاع التأجير التمويلي يرتبط بشكل وثيق بدورات النشاط الاقتصادي، خاصة أن جزءًا كبيرًا من التمويل يتركز في قطاعات مثل العقارات والصناعة، وهي قطاعات حساسة لأي تغيرات في النمو أو التضخم.

وأضاف أن ارتفاع التكاليف التشغيلية قد يكون سلاحًا ذا حدين؛ فمن ناحية يدفع الشركات إلى البحث عن تمويل، ومن ناحية أخرى يضغط على هوامش الربحية، ما قد يقلل من قدرتها على تحمل التزامات جديدة.

وتوقع نادر، أن يشهد الطلب حالة من الاستقرار خلال الفترة المقبلة، دون نمو ملحوظ أو تراجع حاد، في ظل استمرار الضبابية العالمية، خاصة فيما يتعلق بأسعار السلع والطاقة ومسار السياسات النقدية.

مقترحات لتخفيف القيود ودعم النمو

فيما يتعلق بالبيئة التنظيمية، أشار نادر إلى أن القيود الحالية على تمويل شركات التأجير التمويلي قد تحتاج إلى مراجعة تدريجية، بما يتناسب مع تطور السوق، مقترحًا رفع حد التمويل الفردي من البنوك إلى ما بين 10% و15% بدلًا من المستويات الحالية، مع الحفاظ على ضوابط إدارة المخاطر.

وأوضح أن تخفيف هذه القيود قد يمنح الشركات مساحة أكبر للتوسع، خاصة في ظل الحاجة المتزايدة لتمويل الأصول الإنتاجية، في وقت تسعى فيه الدولة لدعم القطاع الصناعي وزيادة معدلات الإنتاج.

#هل #تدفع #التكاليف #المرتفعة #الشركات #نحو #التأجير #التمويلي
➖➖➖➖➖➖➖➖➖➖
📡 المصدر : #جريدة_البورصة
➖➖➖➖➖➖➖➖➖➖

Comments

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *