منى وهبة تكتب: حتى لا يعود نتنياهو إلى جنوب لبنان

قضيتُ في لبنان اثني عشر عامًا، لم يكن خلالها مجرد بلدٍ عشتُ فيه، بل وطنًا ثانيًا تشكّلت فيه ذاكرتي، وتداخلت فيه علاقاتي الإنسانية مع تفاصيل الحياة اليومية، حتى صار جزءًا من تكويني الشخصي. في لبنان عائلة لم تربطني بها صلة دم، وأصدقاء أصبحوا امتدادًا للروح، وذكريات لا تُختزل في زمن.

ما يحدث اليوم في لبنان ليس مجرد أزمة عابرة، بل كابوس يومي يثقل القلب، ليس فقط لمن عرف لبنان عن قرب، بل لكل من يؤمن بقيمة الأوطان. مشهد الدمار مؤلم، ومشاهد الدم أكثر قسوة، لكن الصورة التي لا يمكن أن تمر مرور الكرام، مهما بلغت قسوة المشهد، هي تلك اللحظة التي ظهر فيها نتنياهو في جنوب لبنان… مشهد يختصر مسارًا طويلًا، ويدفع إلى إعادة التفكير في طبيعة التحديات التي يواجهها هذا البلد.

وهي لحظة لا ينبغي التعامل معها كخبر، بل كنقطة مراجعة.

هذا المشهد ليس مجرد حدث عسكري أو تطور أمني، بل نتيجة مسار طويل من الرهانات الخاطئة، والانقسامات الداخلية، والاستقواء بالخارج على حساب الداخل… حتى أصبح الوطن ساحةً، لا دولة.

لقد دفع لبنان ثمنًا باهظًا لتحوله، على مدار سنوات، إلى ساحة تتقاطع فيها المصالح الإقليمية والدولية. وفي خضم هذا التشابك، تراجعت فكرة الدولة لصالح موازين قوى داخلية، وتحولت مؤسساتها إلى انعكاس لانقساماتها بدل أن تكون أداة لتجاوزها.

والأخطر من ذلك، أن بعض الطروحات التي تُقدَّم اليوم كحلول، من قبيل الفيدرالية أو التقسيم، لا تعالج الأزمة، بل تعيد إنتاجها بشكل أكثر عمقًا وخطورة. فالتاريخ القريب والبعيد يثبت أن تفتيت الدول لا يصنع استقرارًا، بل يفتح الباب لصراعات ممتدة، ويُضعف أي قدرة على بناء سيادة حقيقية.

إن إنقاذ لبنان لا يكون بالارتهان للخارج، ولا بالبحث عن حلول شكلية تُريح اللحظة وتُدمّر المستقبل، بل بإعادة بناء الدولة من الداخل، على أسس واضحة: دولة مواطنة، لا دولة طوائف.

قد لا يكون هذا الطريق هو الأسهل، لكنه الطريق الوحيد الذي أثبت التاريخ أنه يصنع دولًا.

لبنان، بطبيعته وتكوينه، ليس عبئًا بتنوعه، بل فرصة نادرة، لكنه يحتاج إلى إدارة هذا التنوع من خلال مؤسسات عادلة، لا من خلال محاصصات تُكرّس الانقسام. يحتاج إلى عقد اجتماعي جديد يضع المواطن في قلب المعادلة، لا الطائفة. إلى دولة تُعيد تعريف الشرعية على أساس الكفاءة والعدالة، لا التوازنات الهشة.

الرهان الحقيقي ليس على من يدعم لبنان من الخارج، بل على قدرة اللبنانيين أنفسهم على استعادة دولتهم، دولة تحمي سيادتها من الداخل، قبل أن تطالب العالم باحترامها.

وفي خضم هذه الأزمات، تبرز خطورة لا تقل، بل قد تتجاوز، في تأثيرها مخاطر الحرب نفسها، وهي محاولات الالتفاف على الدولة من الداخل، عبر تغذية الفتن وإحياء النعرات الطائفية.

فحين تُستبدل فكرة الدولة الجامعة بخطابات التحريض والانقسام، لا يصبح الخطر خارجيًا فقط، بل يتحول إلى تهديد داخلي يُقوّض ما تبقى من تماسك المجتمع.

إن أخطر ما يمكن أن يواجهه لبنان اليوم ليس فقط عدوانًا على حدوده، بل تفكيكًا ناعمًا لنسيجه الداخلي، محاولات مستمرة لإعادة إنتاج الانقسام، وتغليب الهويات الفرعية على حساب الهوية الوطنية، تحت شعارات تبدو أحيانًا دفاعية، لكنها في جوهرها تُضعف الدولة وتُسقط قدرتها على المواجهة.

والحقيقة التي يجب الانتباه إليها، أن الحروب، مهما بلغت قسوتها، قد تنتهي باتفاق أو توازن، أما الفتن الداخلية، إذا اشتعلت، فهي تمتد وتتشعب، وتُفقد الدول قدرتها على النهوض لعقود.

فلا دولة يمكن أن تُبنى في ظل انقسام دائم، ولا اقتصاد يمكن أن يتعافى في بيئة يغيب عنها الحد الأدنى من الثقة والاستقرار المجتمعي.

لذلك، فإن حماية لبنان اليوم لا تكون فقط بالدفاع عن حدوده، بل، وبالقدر نفسه من الأهمية، بحماية وعيه الجمعي من محاولات التفتيت، والتمسك بفكرة الدولة كإطار جامع، لا كساحة صراع.

ومن زاوية اقتصادية أكثر عمقًا، فإن أغلى أصل يمتلكه لبنان ليس في أرضه ولا في موارده، بل في إنسانه.

فلبنان، تاريخيًا، لم يُبنَ كاقتصاد قائم على الثروات الطبيعية، بل كاقتصاد قائم على رأس المال البشري: عقولٌ قادرة، وشبكات ممتدة عالميًا، ومرونة استثنائية في التكيف مع الأزمات.

لكن ما حدث خلال السنوات الأخيرة هو استنزاف من أخطر ما يمكن أن تتعرض له أي دولة: نزيف في رأس مالها البشري.

هجرة الكفاءات لم تعد مجرد ظاهرة اجتماعية، بل تحولت إلى خسارة مباشرة في الناتج المحلي، وتآكل في القدرة الإنتاجية، وانكماش في فرص النمو المستقبلي.

الأخطر من الهجرة نفسها، هو التحول النفسي المصاحب لها…

حين يفقد الإنسان إيمانه بجدوى البقاء، ويستبدل فكرة “بناء الوطن” بفكرة “الهروب الفردي”، حتى وإن حمل جواز سفر ثانيًا أو ثالثًا.

وفي هذا السياق، يغيب إدراك مهم، أن الانتماء للإنسانية والانفتاح على العالم لا يتناقضان مع الحاجة الفطرية للانتماء إلى وطن، بل إن أقوى الاقتصادات في العالم هي تلك التي نجحت في تحويل هذا التوازن إلى مصدر قوة، لا سببًا للانفصال.

هذا النزيف البشري له تكلفة اقتصادية مضاعفة، فالدولة لا تخسر فقط ما أنفقته على تعليم وتأهيل هذه الكفاءات، بل تخسر أيضًا القيمة المضافة التي كان يمكن أن تنتجها داخل اقتصادها، وتفقد، في الوقت ذاته، قدرتها على جذب استثمارات تعتمد بالأساس على توفر المهارات.

ورغم هذا المشهد القاتم، فإن لبنان يمتلك ميزة نادرة يمكن البناء عليها: صِغَر حجمه.

ففي عالم الاقتصاد، لا يُقاس الحجم فقط كقيد، بل كفرصة. الدول الصغيرة، حين تتوفر لديها الإرادة السياسية والرؤية الواضحة، تكون أكثر قدرة على تنفيذ إصلاحات جذرية سريعة، وإعادة هيكلة اقتصادها بكفاءة، والتحول إلى نماذج ناجحة خلال فترات زمنية أقصر بكثير من الدول الكبيرة.

لبنان لا يحتاج إلى موارد جديدة، بل إلى إعادة توظيف ما يملكه بالفعل، ولا يحتاج إلى معجزات، بل إلى قرار استراتيجي بإعادة بناء الثقة بين الإنسان والدولة، وتحويل رأس ماله البشري من مهاجرٍ قلق إلى شريكٍ في التنمية.

وفي النهاية، تبقى الحقيقة أن استعادة الدولة لا تبدأ من الأرض، بل من الإنسان.

فحين يستعيد اللبناني ثقته في وطنه، تتوقف الهجرة عن كونها قدرًا، ويتحول الانتماء من عبء إلى قوة، ويعود الاقتصاد لينبض من جديد.

أما حين يُترك الإنسان ليبحث عن مستقبله خارج حدود بلده، فلا تخسر الدولة فقط أبناءها، بل تخسر قدرتها على أن تكون دولة.

وحينها، لا يصبح غياب السيادة مفاجئًا، بل نتيجة طبيعية.

فالدول التي تفقد إنسانها، تفتح أبوابها لغيره.

بقلم د. مني وهبة

أستاذ الاقتصاد الدولي

#منى #وهبة #تكتب #حتى #لا #يعود #نتنياهو #إلى #جنوب #لبنان
➖➖➖➖➖➖➖➖➖➖
📡 المصدر : #جريدة_البورصة
➖➖➖➖➖➖➖➖➖➖

Comments

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *